الشعراء يشربون الشاي في معبد ننماخ

رجاء الشجيري

بابل مدينة السحر والجمال تشهد معمورتها الكونية بدء مهرجانها السنوي «مهرجان بابل للثقافة والفنون العالمية» بدورته الثامنة برئاسة الشاعر الدكتور «علي الشلاه»، هذا الكرنفال الذي يرتقي سلَّم النجاح كلّ عام لما له من أهمية تاريخية وثقافية، حيث ملتقى مختلف الفنون والثقافات التي تتبارى وتتحاور في ما بينها، ليتوافد فيها المبدعون من مختلف بقاع الأرض من البلاد العربية وأميركا وماليزيا وتركيا وإيران ليكتمل العرس البابلي وتصدق المقولة الانجيلية «من بابل تبلبلت الألسن».

إنَّها بابل التي شيّدت في القرن السابع ق.م حدائقها المعلّقة لتتحول إلى شبه جنة، أهداها نبوخذ نصر إلى الأميرة سميراميس كعلامة حبّ وإجلال، تتوهج منها روح «ناني» الرجل البابليّ الذي أتى من خلف المدينة القديمة يومذاك كأقدم وأوّل ملمح بابلي في نقد المدن وخدماتها وأحوال ناسها. إنَّ روح ناني اليوم تعود لتحرس مهرجان بابل للثقافة والفنون العالمية الثامن وتنتشي معلنةً أنَّ مدينته «باف – إيل» «بوابة الرَّبّ»، كما يسمِّيها الأكديون ما زالت تحيا وهي تعلن أمام العالم اليوم شعارها «كلُّنا بابليون».
إنَّها «إينيجالدي» الأميرة البابلية والكاهنة العظمى للإله القمر «نانا» ابنة الملك «نبونائيد» «مديح نابو» آخر ملوك دولة بابل الحديثة.. تتجوّل عبر آثار هذه المدينة وتتأمل هذا العرس الأبهى، تلك التي تعلَّمت من والدها الاهتمام بالآثار القديمة حين أسَّست متحفاً خاصاً بها وأصبحت أمينة عليه بحدود نحو «٥٣٠»ق.م لتعلن سحرها عبر بوابتها وترانيم آثارها الاخاذة.

سحر وغموض بابل
أسرار وجمال هذه المدينة كثيرة، وشواهد حضارتها الإنسانية والعمرانية أكثر، حيث تمّ العثور فيها على أول ختم يمثل أقدم وثيقة لحقوق الإنسان الا وهو ختم الامبراطور «كورش» التي وصفها «جوستين ماروزي» الكاتب في صحيفة الغارديان البريطانية «انه لا شيء في العالم يمكن أن ينافس روعة أو تاريخ أو غموض بابل».. وهو يروي قصّة هذه المدينة الخلابة وما تمثله من صورة مصغّرة لتاريخ البشرية. مدينة كان قمة ازدهارها في حكم حمورابي (1792- 1750) ق. م في بلاد ما بين النهرين. وبلغ عدد ملوك سلالتها ((الآمورية / العمورية)) 11 ملكاً حكموا ثلاثة قرون (1894 ق.م. -1594 ق. م.). ووصلت حضارتها أوج عظمتها وارتقت العلوم والمعارف والفنون فيها وكانت تحكم بقانون موحّد، سنَّه الملك حمورابي عبر مسلته لجميع شعوبها. وبلغ سحر وتأثير هذه المدينة أن بنى نبوخذ نصر النَّصب الأكثر شهرة في العالم «برج بابل» الذي بلغ طوله 91 متراً أو «زقورة ايتيمينانكي» على رأس معبد مردوخ. تلك المدينة التي قدّم فيها «أبو التاريخ» هيرودوت اليوناني واحداً من أقدم وأكثر الوصفات التفصيلية لها، في مجلده «التاريخ»، حيث كرّس 10 صفحات للمدينة، وهي مزيج وصف من الحقيقة والخيال: ”تقع بابل في سهل واسع، وهي مدينة واسعة مربّعة الشكل مع جوانب يبلغ طولها ما يقرب من 14 ميلًا، وتحيط نحو 56 ميلاً، إضافة إلى حجم هائل يفوق عظمة أي مدينة من العالم المعروف، ويحيط بها خندق عميق واسع مملوء بالمياه، وهناك بداخل هذا الخندق جدار يبلغ اتساعه 50 ذراعا، وارتفاعه 200 ذراع».
إضافة إلى المعابد الصغيرة في هذا القسم الشرقي القديم من المدينة، جنباً إلى جنب مع أرصفة للسفن التجارية، وهو ما يشير إلى ازدهار بابل الرائع الذي نتج عن الغزو والتجارة، وضمن شبكة متقنة من الشوارع، كان الشريان الرئيس والأهم هو الطريق الموكبي، وهو طريق ممهّد يمتد من الشمال من خلال بوابة عشتار، ومنمّق بالثيران والتنين الخاص بـ «بيت مهرجان العام الجديد».

بابل ومتحف بيرغامون
ما إن نتوجه لبابل حتى تطل علينا بوابة عشتار ، أو أشتار، أو إشتار، أو عشروت، أو عشتاروت المسمّاة نسبة لإلهة الحب والحرب عند البابليين التي تعني باللغة العبريَّة «ضوء الصباح»، هذه القلعة التاريخية التي تعد البوابة الأشهر بين البوابات الموجودة على أسوار المدينة، تلك البوابة العظيمة التي تمنح لناظريها شعور الفخر والاباء والانتماء والهيبة إضافة إلى كنوز الحضارة الأخرى مثل المسلة وتمثال الأسد والمعابد العظيمة التي شيّدت في المدينة.
مدينة السحر والحضارة التي كان عالم الآثار الألماني «روبرت كولدفي» أول من اهتمّ باستكشاف تاريخها عام 1899، كما قام بنقل بعض من جدرانها وبواباتها إلى متحف «بيرغامون» في برلين لتبقى معروضة حتى اليوم وهي تخلد أسطورة حضارية خالدة.

معابد وفنون
بدأت أولى الجلسات الشعرية هذا العام في قاعة مردوخ يوم الجمعة صباحاً، حيث قدمتها الشاعرة علياء المالكي وقرأ فيها الشاعر الحليّ «موفق محمد» لتتوالى القراءات الشعرية في معبد ننماخ والمقهى وبحضور عربي وعالمي، نذكر منهم «الشاعر الاميركي مكسيكي الاصل خوان ارماندو، رئيس مهرجان نيويورك للشعر العالمي ومن ايران الشاعر موسى بيدج والشاعرة مريم حيدري والكاتبة جيستا يثربي والشاعر عبد الحميد ضيائي والشاعرة ناييش شارمين، والشاعر الاميركي كارلوس اجواساكو، والشاعر والموسيقي الماليزي ماليم كوزالي، ومن تركيا الشاعر والمغني مظفر ازمير وعلي دنفر، ومن سوريا الشاعرات سميّا صالح وقمر الجاسم ومروة حلاوة، والشاعرة المغربية دليلة حياوي، والشاعر المصري محمد الكفراوي، والشاعر البحريني د.علوي الهاشمي، والشاعر العماني هشام الصقري، ومن سلطنة عمان الشاعر جمال الملا، ومن السعودية الاديبة نجلاء مطري تاروائي وعبده خال، والشاعرة الجزائرية حبيبة محمدي، والشاعر القطري عبد الحميد اليوسف، إضافة إلى كوكبة من شعرائنا العراقيين. وكان للشعراء الشباب حصتهم أيضا في المشاركة والقراءة في هذا المهرجان والكرنفال الثقافي والفني المهم إضافة الى حفل تواقع كتب، من جانب آخر تم افتتاح معارض تشكيلية وادارة جلسات وندوات ثقافية وفنية عدة كان للروائيين والنقاد حضورهم ومشاركاتهم الفعالة فيها ليتوج المهرجان كوكبة من النجوم الفنانين الكبار وبحضور ملفت جدا هذه السنة، وللاعلاميين عربيا وغربيا حضورهم واسهاماتهم أيضا، كما وافتتحت العروض السينمائية بفيلم للمخرج السوري باسل الخطيب بعنوان «دمشق حلب» مع عروض وندوات نقدية. وفي جانب المسرح كان من المصادفات الجميلة تزامن العروض مع الاحتفاء بيوم المسرح العالمي لتُقدَّم العروض المسرحية المميزة في مسارح بابل .