الشعر وانقلاب 8 شباط

د. حسين القاصد

للشاعر بدر شاكر السياب موقفان من ثورة 14 تموز 1958ـ مثلما لأغلب زملائه ـ حيث كتب قصيدته « يوم ارتوى الثائر» في 14 تموز :
بشراك هذا سحاب الذلة انقشعا وانفك عن ساعديك القيد وانقطعا
إزّلزل الشر ما خلّفت زاويــــــــــة يندس فيها ولا ابقيت منتجـــــــــعا
والجيش ما كان الا سـرّ قائده
هذا الذي حرّر الاعناق مذ طلعا
عبد الكريم الذي اجرى بثورته
ماءً ونوراً كغيمٍ ممطرٍ لمــــــــــــعا

ثم سرعان ما انقلب كما انقلب رفاقه، إن عن قناعة شخصية، أو تحولٍ أيدلوجي، فحين يحدث انقلاب 8 شباط، يهتف الشعراء لمقتل قاسم زعيم الامس وبطل قصائدهم التي لم يجف حبرها .
فيقول السياب في قصيدته (ثورة 14 رمضان):
أألف لسان جاء عندك يشكر لإيفاء ما أسديت هيهات يقدر

وهي القصيدة التي يتعرض بها لعبد الكريم قاسم وينتصر للانقلابيين مباركا لهم الثأر للشواف قائلا :
ثأرت لشواف وامطرت ناظما
بما قد روى القبر الذي كاد يطمر

وهو اعلان تحوله من الشيوعية واليسار الى القومية حيث مؤامرة الشواف المدعومة من عبد الناصر ثم انقلاب 8 شباط، لكنَّ موقف زميلته ومعاصرته ومنافسته على الريادة نازك الملائكة؛ كان أغرب من أن يصدق، فالشاعرة كانت تمدح الجمهورية من زاوية الايدلوجية القومية، فهي مؤمنة إيمانا عميقا بالوحدة العربية، واي توجه للجمهورية يخالف إيمانها يعد خيانة بل الأغرب من هذا كله ، حين تنتصر لعبد السلام عارف بعد ان سجنه شريكه عبد الكريم بعد محاولة الأوّل اغتياله .
فتقول نازك في قصيدتها ( وردة لعبد السلام):
في جداولنا ، في شفاه روابينا … ريبة وظلام
وسؤال تحرق ملء أغانينا … أين عبد السلام

ثم تنتخي بجمال عبد الناصر فتقول :
والملايين ترقب في حرقة وانفعال
حافة الكأس
صوتها رنّ يلقي السؤال ، متى يا جمالْ مطلع الشمس

وتاريخ القصيدة وظروفها تدفع القارئ للتساؤل عن موقف الشاعرة هل كان وطنيا شعبيا أم حزبيا ضيقا؟ فالانتخاء بعبد الناصر في وقت مبكر هو نوع من التآمر على العراق حيث يسمح للآخرين التدخل في شؤونه ثم الوصاية عليه.
تقول نازك الملائكة: (وفي عام 1958 قامت في العراق ثورة 14 تموز، واثرت في حياتي أعنف تأثير حتى استغرقت كلّ لحظة من عمري ذلك العام. وقد استقبلتها بقصيدة ساخنة … ولكن عبد الكريم قاسم سرعان ما انحرف، واستهوته شهوة الحكم، وسمح للشعوبية ان تمسَّ جمال الثورة، وتقضي على مبادئها القومية التي احبّها أشدّ الحب، وقد اضطرني عسف الحكم، وتهديده المستمر الى ترك العراق، والسكن ببيروت عاماً كاملاً(1959 – 1960) وخلال ذلك ، واصلت نشر انتاجي القومي في مجلة الآداب.). والشاعرة هجرت العراق ـ على حد قولها ـ بسبب تهديد عبد الكريم لها ، لكن عودتها عام 1960 تتنافى وهذا التهديد ، كما أنَّ رؤيتها الخاصة للثورة كانت من منطلق قومي وكانت في الجهة التي يتبناها عبد السلام وهي جهة البعد القومي، لذا فإنَّ موقفها الناصري هو المرجح ولا تهديد في الأمر والدليل في قولها: (وبعد عودتي من بيروت عام 1960 تعرفت الى زميل جديد في قسم اللغة العربية هو الدكتور عبد الهادي محبوبة، خريج جامعة القاهرة، وفي منتصف عام 1961 تزوجنا، فكان لي نعم الصديق والرفيق والزميل. وفي عام 1962 صدر لي أول كتاب في النقد الادبي هو (قضايا الشعر المعاصر). وقد درست فيه الشعر الحر دراسة خاصة مفصلة، ووضعت له عروضاً كاملاً اعتماداً على معرفتي للعروض، وعلى قوّة سمعي الشعري، وعلى كثرة قراءتي لشعر الزملاء من الشعراء، وقد أهديت الكتاب الى الرئيس العربي جمال عبد الناصر، متحدّية عبد الكريم قاسم الذي كنت أمقته أشدّ المقت) وهذه العودة والزواج وإصدار الكتاب كان في عهد قاسم، كما أن الاهداء لعبد الناصر المطرَّز بالتحدي لقاسم ينفي تماما حكاية التهديد.
والملائكة إذ تحذّر الشيوعيين تحاول اختزال الثورة قوميا والقصيدة في عام 1959، والقصيدة اسمها على غير مسمى (ثلاث أغنيات شيوعية ):
رفيقي تعال
لنسحق رجعية الياسمين
وتزوير سوسنة نذلة وعريش لعين
وتلك الينابيع، إنَّ دسائسها أبدية
وهذا الاصيل يذيع أراجيزه الغسقية
حذارِ رفيقي فللورد دين
وهذا الشذا روحه عربية .

ولا شك أنَّ كلمات من مثل (دين) و(عربية) هي محاولة لابتلاع الثورة قوميا من قبل القوميين .
وحين يحدث انقلاب 8 شباط تمدح عبد الناصر فتقول في قصيدتها «الوحدة العربية»:
فجرنا لاح ابيضا عربيــــــــــــا
أطلعته في الافق كفّا «جمال»
ناصر الحق والعروبة أحيا
كل حلم مقطّـــــــــــــع الاوصال

وتفتتح قصيدتها « ثلاث اغنيات عربية» بمقولة لعبد الناصر: لقد دقَّت ساعة العمل الثوري»، وفي ديوانها الكثير من القصائد التي تحفل بعبد الناصر والوحدة العربية والقضاء على ثورة الزعيم ، مثل «حدود الرجاء» التي كتبتها وهي في انتظار إعلان الوحدة الثلاثية عام 1963.
ثم تبدو علاقة بعض الشعراء بجمال عبد الناصر أكثر وضوحا ففي قصيدته « الانتصار» التي يؤرخها « في العيد الثاني للوحدة 1959» ، يقول عدنان الراوي في مدح عبد الناصر ـ في وقت كانت حكومة الجمهورية مستقرة :
مذ قال فينا «جمال العرب» ندفعها
يا كل قطرة دمٍّ في العروق ثِبي

وفي عام 1962 يقول في عبد الناصر :
ها هنا يا «جمال» نركزها فوق الجبال وفوق كل السحاب

ثم في قصيدته «دمشق حين تتسلى»:
وصمدنا وناصر العرْب فينا
لم يرعنا الذي طووا وأباحوا
ويكتب الشاعر، حين يعلم بوفاة والده قبل انقلاب شباط بشهر واحد في كانون الثاني 1963، «قصيدته في كل عين سؤال»، لكنه لا يستغني عن عبد الناصر:
تمزَّقُ وحدتنا في الشآم
وكانت بها وحدة الناصر
أما حازم سعيد أحمد فيخصص أغلب قصائد ديوانه (صوت من الحياة) لانقلاب 8 شباط والدفاع عن الشواف، ومدح عبد الناصر، اذ يقول في قصيدته «نشيد العروبة» :
بلادي، بلادي، بلاد العرب
سيفنى الشعوبيّ والمنشعب
بخير المآل سيمضي جمال
جمال العروبة فخر العرب

ويهدي قصيدته «ثورة رمضان» الى وجدي ناجي «الذي قتل أثناء اشتراكه بالانقلاب على عبد الكريم قاسم، و «وجدي» هذا، هو شقيق هلال ناجي.
وديوان حازم سعيد مشفوع بمقدمة كتبها الدكتور بدوي طبانة رئيس قسم البلاغة والنقد الأدبي في كلية العلوم جامعة القاهرة ، فهو يقول في المقدمة: ( تشتد نقمته على انتكاس ثورة 14 تموز بعد ما انحرفت عن طريقها وأصبحت أداة هدم وتخريب) ثم ينعت الشواف بالشهيد، وهنا يشترك الناقد مع الشاعر في توجيه الخطاب السياسي ولعلَّ هذا الاشتراك كان نابعا من ميول الشاعر الناصرية وكون الناقد من مصر وهو تصدير سياسي للديوان يتفق مع محتواه وتوجه الشاعر.