الشعوبية : طائفية أم ماذا ؟ وماذا يريد الغذامي من أدونيس

د.حسين القاصد

(العروبية في الأدب العباسي ـ يصلح ان يكون موضوع بحث فقد درست «الشعوبية» كثيرا ولم تدرس «العروبية»)
( من مذكرات العلامة محمد حسين الاعرجي بتاريخ 9/11/2009 ).
قبل ان اشرع بهذا المقال ، اثارت انتباهي هذه المقولة للعلامة الاعرجي ، وهي تتضمن ـ فيما تتضمن ـ سؤالا صارخا ؛ وقد استغربت ان لم يحدثني استاذي الاعرجي بهذا الامر وهو الذي كان يحدثني كثيرا في امور شتى ونتبادل الاراء وندخل في نقاشات طويلة كثيرا ما يحكم عليها النعاس بالتوقف لنكملها في لقاء اخر بعد ان يطبق ليل بغداد اجفانه على الجميع ـ وللقارئ الكريم ان يرسم صورة ليل بغداد المرعب في الايام التي عاد خلالها العلامة الاعرجي الى بلده العراق ـ ومع كل هذا ، وجدت في مذكراته الكثير مما لم يقله لي ،

وكأنه اراد ان تستمر ليالينا وعزائي اني اسمعه يكلمني في كل يوم عن جديد، ومصيبتي هو اني اكلمني واعزي نفسي بأنه يسمعني؛ واذ اخترت المقولة آنفة الذكر من مذكراته فذلك لاني بصدد الوقوف على المضمر في موقف عبد الله الغذامي من ادونيس .
يهتم الغذامي بأدونيس اهتماما مثيرا للاهتمام !! ، فهو يحكي لنا: عن عشرين سنة من حياة علي احمد سعيد ، ويصف لنا كيف كانت ولادته طبيعية ـ ولانعرف مايريد بالطبيعية ؟ هل كان يقصد : ليست قيصيرية ؟!! ثم يمارس عليه النسق الطبقي فيقول: مثله مثل أي طفل ريفي فقير، بعدها يستكثر عليه تحوله من علي أحمد سعيد الى (ادونيس) ويقول : انه تحول له دلالة نسقية، حيث هو تحول من الفطري والشعبي الى الطقوسي؛ وقبل هذا فهو يتهمه بالرجعية، ولم يكن الغذامي سباقا بالصاق هذه التهمة بادونيس فقد سبقه غيره من النقاد المؤدلجين ؛ لكنْ هل لنا ان نسأل الغذامي عن عشرينه الاولى وطفولته ، ولماذا بقي «سعوديا» بالفطرة ؟ فاذا كان ادونيس مال الى الفحولة باختصار اسمه الثلاثي بإسم اسطوري فإن الغذامي بقي يئن من تسلط فحولة اللقب العشائري لدولته كهوية له ، فهو ينتمي لعشيرتين الاولى عشيرته(الغذامي) وهي تابعة للعشيرة الدولة (السعودي )، ثم ينصهر هو وعشيرته ليكون سعوديا، فاذا استطاع ان يتخلص علي محمد سعيد من اسمه المركب ، فهل يستطيع الغذامي ان يتخلص من لقبه المركب ؟ وهل يستطيع ان يكون حرا ؟ فهو مازال تابعا لمملكة العشيرة، بمعنى انه مازال يئن من نسق فحولة الملك عليه .
من كل هذا نجد الغذامي لايختلف عن أي امام جامع او خطيب تكفيري ؛ واما الشعوبية فهي نسق ثقافي طائفي قومي ـ في اغلب حالاته ـ وهي من قول الجاحظ 🙁 ان الزنديق بين المسلمين يكون في بدء الامر شعوبيا ينصب العداء للعرب ، ثم يطعن في الاسلام لكونه ظهر على يد العرب )( البيان والتبيين)، والشعوبي هو غير العربي على ان يكون اديبا، فإذا كان قائدا للجيش سيكون ليس شعوبيا حتى لو أباد العرب ومثال ذلك : هو إن العرب مازالت تفخر بصلاح الدين الأيوبي وتصفه بالقائد العربي على شهرة قوميته الكردية !! ولا احد تجرأ وقال : ان هارون الرشيد شعوبي كونه قرب الفرس من سلطانه ؛ بينما نرى أن المتهم الوحيد بالشعوبية هو الاديب ـ الشاعر على الاشهر ـ فبشار بن برد «شعوبي جدا» كما يراه من هم على شاكلة الغذامي، والغريب انهم يرمون بشار بن برد بالشعوبية على الرغم من مقتله بسبب دفاعه عن اول دولة عشائرية ذات نزعة قومية وهي الدولة الاموية !!، فقد كان مقتله بسبب هجائه ليعقوب بن داود وزير المهدي العباسي ببيتين هما :

بني أمية هبوا طال نومكم
ان الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم ياقوم فالتمسوا
خليفة الله بين الناي والعود

وممن رمي بالشعوبية الشعراء الذين يمدحون العلويين وشعراء الشيعة ، وكم هو غريب ان يكون الاسلام قوميا ؟ اذا اعتمدنا القومية العربية شرطا للولاء للإسلام، فادونيس عربي وقد انتمى للحزب القومي السوري، اما ابو العلاء فلا يحتاج كل ذي عينين دليلا على عروبته ، هذا فضلا عن كون ابن الشبل عراقيا عربيا حارب الدولة السلجوقية ، وربما لهذا السبب صار شعوبيا ، وأية شعوبية تلك التي دفعته لنصرة بني مزيد وهم عرب اقحاح على السلاجقة (الناقد الديني قامعا ـ قراءة في شعر ابن الشبل البغدادي) ؟ ام ان السلاجقة كانوا عربا والعرب ليسوا عربا !! .
لقد بذل بعضهم جهدا كبيرا وانفقوا اعمارا واسرفوا بالحبر والورق من اجل ترسيخ افكار مريضة لتسقيط المبدعين متناسين ان الدولة العباسية كانت دولة استقراطية تستقدم الاجانب لتعليم ابناء الخلفاء وتأديبهم ، كما انها دولة حاكمة لا دولة عاملة ، لذلك اخذ الاخرون على عاتقهم مسؤولية الابداع ، واذا كان كل شخص غير عربي شعوبي فهل بامكاننا ان نقول : ان النحو العربي شعوبي لان احد اهم اعلامه سيبويه ؟ ام نعود الى مقولة العلامة الاعرجي وندرس العروبية في الادب العباسي؟ وقد يلجأ الباحث في (العروبية في الادب العباسي ) ان يبحث عن احفاد حماد الراوية لكي يتأكد من عروبة الشاعر ، لأن اصحاب بدعة الشعوبية اسقطوا الهوية العربية عن أعلام الشعر العربي ومثلهم فعل الغذامي حين اتهم مشاهيرهم بالرجعية ، فابو تمام رجعي ، وابو نواس شعوبي !!.