الطائفية.. سياسة أم عبادة؟

عواد ناصر

في اللغة، طاف يطوف فهو طائف. والنسبة إليه طائفي.
ومن يطوف هو من يجعل من نفسه دائرة ليطوف حول مركزها. سواء كان هذا المركز رمزاً أو وهماً أو عقيدة.
وإذ يطوف الطائف فلا يكتفي بممارسة شعيرة دينية، وهذا من حقه، فهو يغلق على نفسه، طارداً لها من المحيط الاجتماعي المفتوح ونابذاً لكل جماعة أو فكرة أو طائفة تتعارض مع دائرته أو مركزها، مكتفياً بوهمه كمن يتوهم ما يرغب فيه وهو مغمض العينين.
يجعل الطائفي من الماضي أسطورة ليعبدها بخشوع، حتى لو كان هذا الماضي لا يستقيم مع منطق الحاضر الإنساني وتطوره المذهل على مدار الساعة، بل يسوغ تلك الأسطورة ويسريلها، حتى لو أنتجت واقعاً جديداً خليطاً من الكوميديا والتراجيديا.
لا تكمن خطورة الطائفية في من يتبناها من الأفراد بحسن نية، أو نوعاً من الملاذ وسط خشونة الحياة المعاصرة وتهديداتها، فالدين برمته، أي دين هو نوع الملاذ جراء عواصف الواقع القاسية والحماية المرجوة بالنسبة لشخص، أو مجموعة أشخاص.
ثمة أكثر من سبب ودافع لنشوء وازدهار الفكرة الطائفية، على أن الجهل والتخلف لا يبرران للمرء أن يكون طائفياً. هذا على الصعيد الذاتي، أما موضوعياً، فقد كفت الطائفية عن أن تكون ممارسة دينية فردية وحقاً شخصياً، كنوع من العبادة، عندما أصبحت نوعاً من الإسلام السياسي العنيف بقيادة أئمة مسلحين يبررون حتى قتل الأطفال أثناء تنفيذهم عملية جهادية ضد الآخرين، قد يكون من بينهم أفراد من طائفتهم نفسها!
بلغنا الآن الصورة الأخيرة للطائفي في بعدها السياسي، لا الديني، أي أن الطائفة، هنا، لم تعد بريئة للفوز بجنة الله وأنبيائه وأئمته المؤسسين، فالطائفية، اليوم، نشاط سياسي علني على مستوى الأحزاب والأديان والدول، تحديداً في العراق وجواره، حيث الصراع، مكشوفاً أو خفياً، تحت شعارات دينية، من أجل النفوذ والتوسع وتحقيق المصالح في حروب إقليمية ودولية لم تزل تدور رحاها في العراق وسوريا والسعودية واليمن وغيرها.
تكمن الخطورة في تحول الطائفي من متعبد بريء، كفرد، إلى تنظيم سياسي مسلح، أو غير مسلح، لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية وثقافية.
يزدهر الطأئفي وطائفيته عندما يجد المكبوت الديني فرصته للظهور والتجلي، وهي فرصة خلقها غياب دولة المواطنة الضامنة لحقوق الأفراد وتحديد واجباتهم بقوانين ولوائح ملزمة للجميع من الأمير إلى الخفير، وهو غياب يدفع ذلك المكبوت إلى العلن الصارخ نوعاً من هوية افتراضية تستمد مرجعيتها من التاريخ الظالم والراهن الأكثر ظلماً للعثور على هوية جزئية حتى لو كانت بالضد من إرادة الدولة/الأمة وهويتها الجمعية عبر الهوية الجزئية.
لا يعرف المواطن البريطاني، مثلاً، إلى أي طائفة ينتمي رئيس وزرائه، أو أياً من وزرائه وزعمائه السياسيين، أو الشخصيات العامة في الفن والأدب والعلم، إذا كان من الأرثوذوكس أو البروتستانت أو الكاثوليك. الاستثناء الوحيد كان خلال الحرب الأهلية والقومية في آيرلندا عندما انقسمت هناك، طائفياً، حتى فرق كرة القدم.
إن سقوط نظام الدكتاتورية والقمع، العراق نموذجاً، لا يحمل وعداً أكيداً بنيل العراقيين حريتهم، على اختلاف أديانهم وقومياتهم ومذاهبهم، ذلك أن الفراغ السياسي والدولتي أتاح المجال واسعاً أمام قطاعات وطوائف وقوميات متعددة للتعبير عن مكبوتاتها العقائدية والمذهبية عبر الانتقام من بقايا الدولة المنهارة، ترميزاً عن أحقاد تلك الجماعات على كل ما يمثل الدولة السابقة من ممتلكات ورموز ومؤسسات أكثر من تعبير تلك الجماعات عن حرصها وعملها على وضع مشروع جديد، بديل، عن مشروع الدولة الاستبدادية.
وللأسف، ما زالت قطاعات عريضة من المجتمع العراقي تفتقد إلى أبسط حقوقها، حتى تلك المحسوبة على أحزاب دينية وطوائف متنفذة في دولة ما بعد دكتاتورية صدام حسين، وللأسف، ثانية، إن كثيرين، من اليائسين والمحبطين، يقارنون، اليوم، بين دكتاتورية الأمس وبطشه وبين غياب الحقوق والآمال بدولة المواطنة العادلة بعد تلك الدكتاتورية، بسبب قسوة الأحوال وانكسار الأحلام.