الطبيعة إذ تهمل .. اللغة إذ تموت

طالب عبد العزيز

أكادُ أدفع بقولي الى أنَّ الأدبَ العراقيَّ اليوم، هو الافقر في تناول مفردات الطبيعة، وأجد تصحراً واضحاً يدبُّ في جسد معظم ما يُكتب من قصائد وقصص وروايات، ولا تبدو مفاهيم مثل المدنية أو عصر التكنولوجيا حجّة هنا، إنما اهمالنا وتخريبنا للطبيعة والعسف الذي مورس ضدها، والضرر بالغ الاثر، الذي لحق محيطنا الانساني والثقافي جراء ذلك، هو مَنْ تحكّم بالنصوص وكتّابها، وأضرَّ بالحياة من حولنا أيضاً، الامر الذي فقدت اللغة معه مفرداتها الاكثر براءة وتلطفاً. ومن يتصفح الكتب التي لفظتها مطابعنا في الشعر والرواية والادب بعامة، بل واعمال الثقافة والفنون الأخرى سيدفع معي الى الاعتقاد هذا.
ربما، استثني القليل من ذلك، في نتاجات البعض، لكنني بت أفتقد حقاً مفردات مثل النهر والغرس والشجر والزهر والماء والطير… وخرجت من نصوصنا عوالم وحيواة وتقاليد وحكايات كانت تؤثثها وتعزز من ثقتنا بلغتنا، التي باتت تتحجر وتتصحر وتتسخ أيضاً، ولا أقول تتمدن لأننا، ما زلنا نحيا في (مدينة) لمّا تبلغ بعد صفات المدن الحقيقية. لقد أضعفت مؤسساتُنا بإهمالها وسوء إدارتها القرية التي جئنا منها، خرّبت قيمتها في حياتنا وأخرجتنا من بدئيتها وبراءتها الى مدن مشوهة لا تصلح للعيش، في أعتقاد غبيٍّ منها، بأننا، إنما نتساوق مع العالم الجديد، الذي تحوّل وتطور بفعل الصناعة والتكنولوجيا دونما تخل عن قريته، التي طورها وجعل أجمل وأجمل. وهو فعل طبيعي من أفعال التحولات التي تحرك الكون بأسره.
يقول اللغويون بانَّ اللغة مثل أي كائن حيٍّ يولد ويشيخ ويموت، وأنَّ لغات كثيرة لم تعد قائمة بفعل ما من أفعال التطور، ويقولون بأنها تحيا وتتجدد في نصوص الشعراء والكتاب، وهي مواتٌ في المعجم حيّةً على السنتهم وفي كتبهم وهي (اللغة) مثل كل ما نستعمله في حياتنا من أشياء، عرضة للنمو والتألق مثلما، هي عرضة للضمور والابتذال، ويرى بعضهم أن خسران مفردة في اللغة أمر جلل، لذا فهي بحاجة دائمة الى من يعيد لها دورة حياتها، ولعل الشعراء والكتاب أول المعنيين بذلك، أما الحديث عن كيفية ذلك فيتوجب تضافر عوامل عدة، إذ من غير المعقول أن يتم تداول مفردات لغوية ليس لها وجود بيننا، فالحديث عن القنطرة في بلاد ليس فيها أنهار ضرب من الضرر بالخيال، وأقحام مفردة مثل (البطريق) في قصيدة يكتبها بدوي لم ير البحر في حياته قضية بحاجة الى سؤال كبير. ونقول: مهما بلغ صفُّ شجرة الواشنطونيا متناسقا في الحديقة العامة لن يكون بديلاً عن غابة النخل التي وصفها بدر في أنشودته، ولن تكون صورة النهر التي على الحائط في المطعم الذي على شط العرب بديلا عن نهر بويب الذي ضاعت أجراسه.
لن يكون باستطاعتنا تلمس أثر بيت الجواهري» حييتُ صفحك ظمآنا ألوذ به لوذ الحمائم بين الماء والطين» إذا خلت لغتنا من مفردات مثل الحمائم والماء والطين والنخل والسعف الطوال ؟ وفي مكان آخر يمكننا القول بأن أحواض اسماك الزينة لن تؤمّن لنا طعم السمكة التي نصطادها عرض البحر، هناك عوالم تتحد مع بعضها وتخلق الجانب الاكثر فتوة في حياتنا مثل زورق الصيد والشباك والحبال والصنارات والأشرعة، هناك مجاذيف وسهر وليل وظلام وشمس تشرق على أجساد تتعرق وتعرى، حياة بكاملها ستختفي وتختفي معها مفردات لغوية وعلائق انسانية لن تكون ميكانيكا الحياة بديلا عنها، ومثل ذلك، لن تقوم باقات الورد التي نتهاداها صباح كل يوم على صفحات الميديا مقام وردة حمراء وحيدة في الحديقة، بل لن تقوم الوردة هذه مقام بستان الورد، الذي ينمو تلقاء نفسه على ضفة نهر. ما يضيع من مفردات الحياة تضيع معه لغة كاملة لن تعوّض بالصور والالوان. ونقل أيضاً: سيكون للحكاية التي نسمعها من فم الحكّاء طعم غير الذي سنقرأه في الكتاب.
أمتدحُ الظَفَرَ في البراري التي وحدك تجوبها أيها الذئب، أمتدحُ الغصنَ الذي تقف عليه أيها البلبل، أمتدح الظلال التي تتخلق آمنةً بين النخيل والانهار، وأحدث نفسي في مآل مفردة بسيطة مثل (كرّبة) التي هي أصل السعفة، والتي ستصبح جزءاً في جذع النخلة، وكيف سنتصور اختاءها في حياتنا الواقعية، لا المتخيلة، الاختفاء هذا، سيطال وجودها في معجم لغتنا، وهو بالضرورة اختفاء للفلاح نفسه، ذاك الذي قام بفعل التكريب، ولن ينفع بحثنا عن جامع وبائع الكَرَبِ (الحطّاب) عندها، لن نجد إمرأة تطبخ طعامها على نار الكرب، حيث يتخلق الجمر أحمرَ، ولن نجد رجلاً ينتظر في الظهيرة طعاماً مشوبا بدخان النار تلك، وسيختفي موقد الكرب والجذوع، فاكهة الجمر التي تدخل كوخهم ليلة الشتاء، وسيختفي ابريق الشاي برائحة وطعمه وتاريخ التلذذ به. هناك عالم يموت ويختفي وراء كل مفردة تختفي وتموت في اللغة، ليست اللغة ما نتداوله بالسنتنا، هي ما نمسك به ونتلمسه من حولنا.

أكثم بن صيفي

قبل الاسلام

« العقل بالتجارب. الصاحب مناسب .الصديق مَنْ صَدَق غَيْبُه. الغريب من لم يكن له حَبيب. رب بعيدٍ أقربُ من قريب. القريب من قرُب نفعُه. لو تكاشفّم ما تدافنتُم. خيرُ أهلِك من كفاكَ، خيرُ سلاحك ما وَقَاكَ. خيرُ إخوانِك من لم تَخْبُره. ربَّ غريبٍ ناصحِ الجَيْب، وابنِ أبٍ متَّهم بالغيب، أخوكَ مَنْ صَدَقَك، الأخُ مرآةُ أخيه. مُكْرَهٌ أخاكَ لا بَطَل. تَبَاعَدُوا في الديار وتقاربوا في المحبة. أيُّ الرَّجال المهذّب؟
أحْسِنْ يُحْسَنْ إليك. ارْحَم تُرْحَم. كما تَدِين تُدَان. مِنْ يَرَ يوماً يُرَ به، والدهرُ لا يُغْتَرُّ به، عَيْنٌ عَرَفت فَذَرَفت. في كل خِبْرَةٍ عِبْرَة، من مَأْمَنِهِ يُؤتى الْحذِرُ. لا يَعْدُو المرءُ رزقَه وإن حَرَصَ. إذا نزلَ الْقَدَرُ عَمِىَ البصر، وإذا نزل الَحَيْنُ نزل بين الأُذنِ والعَين. الخمرُ مفتاحُ كلّ شرَ. الْغِناءُ رُقْيِةُ الزناءِ. الِقناعةُ مالٌ لا يَنْفَد. خيرُ الغِنَى غِنَى النفس. مُنساقٌ إلى ما أنت لاقٍ. خُذْ من العافية ما أُعطيت. ما الإنسان إلا القلبُ واللسَان. إنما لك ما أمضيتَ. لا تتكلّفْ ما كُفِيتَ. القلم أحد اللسانين. لن تُعْدَمَ الحسناءُ ذَاماً. لم يُعْدَم الغاوى لائَماً. لاَتَكُ في أهلِك كالْجنَازة. لا تَسْخَرْ من شي فيجوزَ بك. أخَّر الشر فإذا شئت تعجَّلْته. صَغيرُ الشر يوشِكُ أن يكبُر. يُبصر القلب ما يعمَى عنه البصرُ. الحُرُّ حُرٌّ وإن مَسَّهُ الضُّرّ. العبد عبدٌ وإن ساعَدَه جَدّ. من عَرَفَ قَدْرَهُ استبانَ أمرَهُ. من سُرَّ بنوه ساءَته نَفسهُ. منْ تعظّم على الزمان أهَانه. من تعرض للسلطان آذاه، ومن تطامنَ لهُ تخطّاه. من خَطا يَخْطُو. كُلُّ مبذول مَمْلول. كل ممنوع مرغوبٌ فيه. كل عزيز تحت القدرة دليلٌ. لكل مقام مقال. لكل زمان رجال. لكل أجل كتابٌ. لكل عمل ثوابٌ. لكلُ نبأ مُستقرّ. لكل سرًّ مُستودع. قيمةُ كل إنسان ما يُحْسِن. اطلب لكل غَلَقٍ مفتاحاً. أكْثِرْ في الباطل يكن حقّاً. عند الْقَنَط يأتي الفرج. عند الصباح يُحْمَد السُّرَى. الصدق مَنْجَاة، والكذبُ مَهْوَاة. الاعتراف يَهدمُ الاقتراف.ربَّ قَول أنفذُ من صَوْل. رُبَّ ساعة ليس بها طاعة. رُبَّ عَجَلةٍ تُعْقِبُ رَيثْا. بعض الكلام أقطعُ من الحسام. بعض الجهل أبلغ من الْحِلْم. ربيعُ القلب ما اشتهى. الهَوَى شديدُ العمى. الهوى الإله المعبود. الرأى نائم، والهوى يقظان. غَلبَ عليك من دعا إليك. لا راحة لحسود ولا وفاء. لا سرورَ كَطِيب النَّفْسِ. العمرُ أقصرُ من أن يَحتَمِلَ الْهَجْر. أحق الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة. خير العلم مَا نَفَع. خير القول مَا اتُّبعَ. الْبِطْنة تُذهب الْفِطْنة. شر العمى عمى القلب. أوثقُ العُرَى كلمة التقوى. النساءُ حبائل الشيطان. الشبابُ شُعْبة من الجُنون. الشقىُّ من شَقِىَ في بطن أمه. السعيد من وُعِظَ بغيره. لكل امرى في بَدَنهِ شُغْل. من يَعْرِفِ البلاءَ يَصْبِرْ عليه. المقاديرُ تُريك مالا يخْطر ببالك. أفضل الزاد ما تُزُوَّدَ للمَعَاد. عواقب الصبر محمودة. لا تُبْلَغ الغاياتُ بالأمانيّ. الصَّريمة على قدر العزيمة. الضيف يُثنى أو يَذُم مَنْ تَفَكَّرَ اعتَبرْ. كم شَاهدٍ لك لا ينطق. ليس منك مَنْ غشَّك. ما نَظرَ لإمرِءٍ مثلُ نفسه. ما سدَّ فقرَكَ إلا ملكُ يمينك. ما على عاقل ضيعةٌ. الغِنى في الْغُربة وطَن. المُقِلُّ في أهله غريب، أوَلُّ المعرفة الاختبار. يَدُكَ منك وإن كانت شلاَّءَ. أنفُكَ منك وإنْ كان أجْدَعَ.
من عُرِفَ بالكذب جازَ صِدقهُ. الصحة داعية السَّقَم. الشباب داعية الهَرَم. كثرة الصيَّاح من الْفَشَل. إذا قَدُمَتِ المصيبةُ تُرِكت التعزية. إذا قَدُم الإخاءُ سَمُج الثناء. العادة أملك من الأدب. الرفق يُمنٌ والُخْرقُ شؤم. المرأةُ رَيْحانةٌ وليست بقَهْرَ مانَةٍ. الدالّ على الخير كفاعله. المحاجزة قبل المناجزة. قبل الرَّماية تُملأُ الكنائَنُ. لكل ساقطة لاقطةٌ. مَقْتَل الرجل بين فكَّيه. تَرْكُ الحركة غَفلةٌ. الصمتُ حُبْسَةٌ. مَنْ خُيَّرَ خَبَرَ. إن تَسْمَع تُمْطَر. كفى بالمرء خِيانةً أن يكون أمينا للخَوَنة. قَيَّدوا النَّعَم بالشكر. لا تغتر بمودة الأمير إذا غشك الوزير. أعظم من المصيبة سُوءُ الخلف منها. من أراد البقاء فليوطَّن نفسهُ على المصائب. لقاء الأحبة مَسْلاَة للهمَّ. قطيعة الجاهل كصلة العاقل. من رضى على نفسهِ كثُرَ الساخطُ عليهِ. قَتلَتْ أرضٌ جاهلَهَا، وقتل أرضاً عارفُهَا. أدوأُ الداء الخِلقُ الدنىّ، واللسَان البَذِىّ. أذا جعلك السلطان أخاً فاجعله ربّاً. احذرْ الأمين ولا تأمَنِ الخائنَ. عند الغاية يُعْرف السَّبْقُ. عند الرّهان يُحْمد المضمار. السؤالُ وإن قَلَّ، أكثر من النوال وإن جَلَّ. كافيء المعروف بمثله أو انشُره. لا مروءة مع ضُرّ، ولا صبر مع شكوى. ليس من العدل، سرعة الْعَذْلِ. عبدُ غيرك حُرٌّ مثلك. الوضيع من وضع نفسه. المَهِين من نَزَل وحدَه. مَنْ أَكثرَ أهجرَ. كفى بالمرء كذباً أن يُحدَّثَ بكلَّ ما سِمع».

من كلام لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في صفة من يتصدّى للحكم بين الاُمة وليس لذلك بأَهل..

إِنَّ أَبْغَضَ الخَلائِقِ إِلَى اللهِ تعالى رَجُلانِ: رَجُلٌ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى نَفْسِهِ،فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ مَشْغُوفٌ بِكَلاَمِ بِدْعَة،وَدُعَاءِ ضَلاَلَة، فَهُوَ فِتْنَةٌ لَمِنِ افْتَتَنَ بِهِ، ضَالٌّ عَنْ هَدْي مَنْ كَانَ قَبْلَهُ، مُضِلُّ لِمَنِ اقْتَدَى بِهِ في حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ، حَمَّالٌ خَطَايَا غَيْرِهِ، رَهْنٌ بِخَطِيئَتِهِ ..

وَرَجُلٌ قَمَشَ جَهْلاً،مُوضِعٌ في جُهَّالِ الاُْمَّةِ،غادر في أَغْبَاشِ الفِتْنَةِ، عِم بِمَا في عَقْدِ الهُدْنَةِ،قَدْ سَمَّاهُ أَشْبَاهُ النَّاسِ عَالمِاً وَلَيْسَ بِهِ، بَكَّرَ فَاسْتَكْثَرَ مِنْ جَمْع، مَا قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ، حَتَّى إِذَا ارْتَوَى مِنْ مَاء آجِن،وَأكْثَر مِن غَيْرِ طَائِل،جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قَاضِياً ضَامِناً لِتَخْلِيصِ مَا التَبَسَ عَلَى غيْرِهِ،فَإِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى المُبْهَمَاتِ هَيَّأَ لَهَا حَشْواً رَثّاً مِنْ رَأْيِهِ، ثُمَّ قَطَعَ بِهِ، فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ في مِثْلِ نَسْجِ العَنْكَبُوتِ: لاَ يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ، إنْ أَصَابَ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْطَأَ، وَإِنْ أَخْطَأَ رَجَا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ.جَاهِلٌ خَبَّاطُ جَهلات، عَاش رَكَّابُ عَشَوَات،لَمْ يَعَضَّ عَلَى العِلْمِ بِضِرْس قَاطِع، يُذرِي الرِّوَايَاتِ إذْراءَ الرِّيحِ الهَشِيمَ،لاَ مَلِيٌ ـ وَاللهِ ـ بِإِصْدَارِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ، وَلاَ هُوَ أَهْلٌ لِما فُوّضَ إليه، لاَ يَحْسَبُ العِلْمَ في شيْء مِمَّا أَنْكَرَهُ، وَلاَ يَرَى أَنَّ مِنْ وَرَاءِ مَا بَلَغَ منه مَذْهَباً لِغَيْرهِ، وَإِنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرٌ اكْتَتَمَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ، تَصْرُخُ مِنْ جَوْرِ قَضَائِهِ الدِّمَاءُ، وَتَعَجُّ مِنْهُ المَوَارِيثُ..

إِلَى اللهِ أَشْكُو مِنْ مَعْشَر يَعِيشُونَ جُهَّالاً، وَيَمُوتُونَ ضُلاَّلاً، لَيْسَ فِيهمْ سِلْعَةٌ أَبْوَرُ مِنَ الكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاَوَتِهِ، وَلاَ سِلْعَةٌ أَنْفَقُ بَيْعاً وَلاَ أَغْلَى ثَمَناً مِنَ الكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلاَ عِنْدَهُمْ أَنْكَرُ مِنَ المَعْرُوفِ، وَلاَ أَعْرَفُ مِنَ المُنكَرِ!

[تأديب الأغنياء]
أَيُّهَا النّاسُ، إِنَّهُ لاَ يَسْتَغْنِي الرَّجُلُ ـ وَإِنْ كَانَ ذَا مَال ـ عَنْ عَشِيرَتِهِ، وَدِفَاعِهِمْ عَنْهُ بِأَيْدِيهِمْ وَأَلسِنَتِهمْ، وَهُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ حَيْطَةً،مِنْ وَرَائِهِ وَأَلَمُّهُمْ لِشَعَثِهِ،وَأَعْطَفُهُمْ عَلَيْهِ عِنْدَ نَازِلَة إنْ نَزَلَتْ بِهِ. وَلِسَانُ الصِّدْقِ يَجْعَلُهُ اللهُ لِلْمَرْءِ في النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ المَالِ: يُورِثُهُ غيرَهُ.

أَلاَ لاَيَعْدِلَنَّ أَحَدُكُمْ عَنِ القَرَابِةِ يَرَى بِهَا الخَصَاصَةَ أنْ يَسُدَّهَا بِالَّذِي لايَزِيدُهُ إِنْ أَمْسَكَهُ وَلاَ يَنْقُصُهُ إِنْ أَهْلَكَهُ،وَمَنْ يَقْبِضْ يَدَهُ عَنْ عَشِيرَتِهِ، فَإِنَّمَا تُقْبَضُ مِنْهُ عَنْهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ، وَتُقْبَضُ مِنْهُمْ عَنْهُ أَيْد كَثِيرَةٌ; وَمَنْ تَلِنْ حَاشِيَتُهُ يَسْتَدِمْ مِنْ قَوْمِهِ المَوَدَّةَ.

[بعد الموت البعث]
حَتَّى إِذَا تَصَرَّمَتِ الاُْمُورُ، وَتَقَضَّتِ الدُّهُورُ، وَأَزِفَ النُّشُورُ،أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَائِحِ الْقُبُورِ، وَأَوْكَارِ الطُّيُورِ، وَأَوْجِرَةِ السِّبَاعِ، وَمَطَارِحِ الْمَهَالِكِ، سِرَاعاً إِلَى أَمْرِهِ، مُهْطِعِينَ إِلَى مَعَادِهِ، رَعِيلاً صُمُوتاً،قِيَاماً صُفُوفاً، يَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ،وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، عَلَيْهِمْ لَبُوسُ الاسْتِكانَةِ،وَضَرَعُ الاسْتِسْلاَمِ وَالذِّلَّةِ، قَدْ ضَلَّتِ الْحِيَلُ، وانْقَطَعَ الاَْمَلُ، وَهَوَتِ الاَفْئِدَةُ كَاظِمَةً،وَخَشَعَتِ الاَصْوَاتُ مُهَيْنِمَةً،وَأَلْجَمَ الْعَرَقُ،وَعَظُمَ الشَّفَقُ،وَأُرْعِدَتِ الاَسْمَاعُ لِزَبْرَةِ الدَّاعِي إِلَى فَصْلِالْخِطَابِ،وَمُقَايَضَةِ الْجَزَاءِ،وَنَكَالِ الْعِقَابِ، وَنَوَالِ الثَّوَابِ.

من « ليالي» أبي حيان التوحيدي
في «الامتاع والمؤانسة»

الليلة الثانية
ما أعرِف اليوم ببغداد – وهي الرّقعة الفسيحة الجامعة، والعَرصة العريضة الغاصّة – إنساناً أشكَرَ لك، وأحسَنَ ثناءً عليك، وأذهبَ في طريق العبوديّة معك، منه ؛ ولقد سَكرَ الآذان وملأَ البقاع بالدعاء الصالح، رَفَعه الله إليه، والثناءِ الطيب اشاعة الله ؛ وقد عمل رسالةً في وصفك ذكر فيها ما آتاك الله وفضَّلك به من شَرفِ أعراقكَ، وكَرمِ أَخلاقكَ وعُلوّ همّتكَ، وصدق ِ حَدْسِك وصَوابِ رأيك، وبَركةِ نَظرك، وظُهور ِغَنَائك وخِصب فنائك، ومحبةِ أوليائك، وكمَد أعدائك، وصَباحةِ وجهك، وفصاحةِ لِسانك، ونُبلِ حَسبِك ، وطهارةِ غَيبك، ويُمن نقيبتك،ومحمود شيمتك، ودقيقِ ما أودعَ اللهُ فيكَ وجليلِ ما نشرَ الله عنكَ، وغريبِ ما يرى منك، وبديعٍ ما يُنتظرُ لك من المراتب العليَّة ، والخيرات الواسعة والدولة الوادعة ، وهي تصل إلى مجلسكم في غد أو بعده – إن شاء الله – وكان هذا منه قياماً بالواجب ، فإنك نَعَشْتَ روَحهُ وكان خَفَتَ، وبصّرتَه وكان عَشِيَ؛ وأنبتَّ جناحَهُ وكان قد حُصَّ إنّ الزمانَ بمثله لبخيل، كان والله شمسَ المعالي وغُرةَ الزمن وحامل الاثقال ، وملتقى القفال، ومحقق الاقوال والافعال، ومُجري لجُم الاحوال على غاية الكمال؛ كان والله فوق المتمنَّى، وأعلى من أن يَلحق به نظير، أو يُوجَد له مماثل؛ لذتُه لمْحٌ في تهذيب الامور، وهواه وقفٌ على صلاح من في إصلاحه صلاح ونفي من في نَفْيهِ تطهير ؛ ولولا أن عمر الفتى الأرْيَحِي قصير ، لكنا لا نبتلي بفقده ولا نتحرق على فوت ما كان لنا بحياته ؛ الدنيا ظلوم ، والإنسان فيها مظلوم.
وأما ابن زرعه فهوُ حسنُ الترجمة، صَحيحُ النقل، كثيرُ الرُّجوع الى الكتب، محمودُ النقل الى العربية ، جيد الوفاء بكل ما جل من الفلسفة ؛ ليس له في دقيقها منفذ ، ولا له من لغزها مأخذ، ولولا تَوزُّع فكرهِ في التجارة ، ومحبته في الربح، وحرصه على المجتمع؛ وشدته على المنع؛ لكانت قريحته تستجيب له ، وغائمتهُ تدرُ عليه، ولكّنه مُبّدٌد مُنَّدد ،وحبُ الدنيا يعمي ويصم.
وأما ابن الخمار ففصيحٌ ، سَبط الكلام ، مَديدُ النفس، طَويلُ العنان مَرضْيّْ النقل، كثيرُ التدقق لكنه يَخلُط الدرّة بالبعَرَة ويُفسد السميَن بالغث، ويُرَقّعُ الجديدَ بالرث؛ ويُشين جميَع ذلك بالزهو والصلف ويزيد في الرقم والسوم، فما يُجديه من الفضل يرتجعه بالنقص؛ وما يعطيه باللطف يسترده بالعنف؛ وما يصفه بالصواب، يكّدرهُ بالاعجاب

وأما القوسمي ابو بكر، فهو رجل حسن البلاغة ، حلوُ الكناية، كثيرُ الفَقرِ العجيبه، جَمّاعةٌ للكتب الغريبة؛ محمودُ العناية في التصحيح والإصلاح والقراءة، كثير التردد في الدراسة ؛ إلا أنه غيرُ نصيح في الحكمة ؛ لان قريحتَهُ تُرابية، وفكرته سَحابية؛ فهو كالمقلّدِ بين المُحققين ، والتابع للمتقدمين ؛ مع حُبَّ للدنيا شديد ، وحَسَدٍ لاهلِ الفضل عتيد.

موقفُ القرب
أوقفني في القرب وقالَ لي ما مني شيءٌ أبعد من شيء ولا مني شيءٌ أقرب من شيء إلا حكم إثباتي لهُ في القربِ والبعدِ
وقالَ لي البعدُ تعرفه بالقربُ، والقرب تعرفه في بالوجودِ
وأنا الذي لا يرومهُ القرب، ولا يَنتهي إليه الوجود
وقالَ لي أدنى علوم القرب أن ترى آثار نظري في كل شيءٍ فيكون أغلب عليك من معرفتك به
وقالَ لي لا بعدي عرفت ولا قربي عرفت ولا وصفي كما وصفي عرفت
وقالَ لي أنا القريب لا كقرب الشيء وأنا البعيدُ لا كبعد الشيء من الشيء
وقالَ لي قربك لا هو بعدك وبعدك لا هو قربك، وأنا القريبُ البعيدُ قرباً هو البعدُ وبعداً هو القرب
وقالَ لي القربُ الذي تعرفهُ مسافة، والبعد الذي تعرفه مسافة، وأنا القريبُ البعيد بلا مسافةٍ