العراق .. هبة النهرين وأكيتو عيده

عبد السلام صبحي

العراق هو هبة النهرين العظيمين دجلة والفرات، وكان أحد أولى الِبقاع التي حصل فيها التحول من حياة الصيد والترحال إلى الزراعة والاستقرار، لذا فإن كل ما تعلق بالزرع والماء والنماء آنذاك، أعُتبِر مناسبة لتقديم الشكر بتوقيتات مختلفةٍ، وعيد أكيتو قد يكون أقدمها بل وأهمها، فهو يتكرر مرتين بالسنة لارتباطه بدورة الزراعة واستمرار الحياة والمتأثرة بدورها بالقمر، فحركتَه السنوية بحسب عقيدتهم تضمن للطبيعة توازنها من جهة اعتدال الطقس وتساوي ساعات الليل والنهار.
إن أقدم إشارة كتابية للأكيتو عُثر عليها في مدينة أور (مدينة القمر) وترقى إلى النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد. أما آخر إشارة إليه فكانت إبان العصرالفِرثي في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد. إن العلامة المسمارية لكلمة (أكيتو) تم منحها دلالات مختلفة من قبل الباحثين، بعضهم قال بكونها تعني عيد السنة الجديدة واخرون قالوا بكونها مرتبطة بطقس متعلق بعناصر دورة الحياة من أرض وماء، وكان الاحتفال بالعيد إبان العصور السومرية المبكرة يقام في العراء، خارج أسوار المدن وبالقرب من الأنهار حيث حقول وقفيات المعابد، تطورت الفكرة في العصور البابلية والآشورية اللاحقة واطلق عليه بالأكدية ( ريش شَتّي) ويعني رأس السنة الجديدة، وتم تشييد مبنىً خاصٍ له يدعى (بيت أكيتو)، وهو المكان المخصص لاحتفالات هذا العيد حيث يتم فيه تقديم النذور والقرابين وجز صوف الخراف، وقد وجِدت أدلة عليه في حواضر العراق القديم مثل أور– اوروك – أومّا – نيبور – بابل – آشور – اربائيلو – نينوى .

وقد ورد في اللوح الثالث من ( ملحمة كلكامش )، إشارة واضحة لذلك حيث يعد كلكامش والدته “ننسون” بانه حال عودته من غابة الأرز سيحتفي بالعيد مرتين بالسنة، كان الاحتفال الأول يجري في الربيع حيث أول ظهور للقمر من منتصف شهر آذار إلى منتصفِ شهر نيسان في تقويمنا الحالي، وذلك تزامناً مع بدء ذوبان الثلوج في أعالي جبال العراق وامتلاء نهري دجلة والفرات وروافدهما بالماء، فيتهيأ الزرّاع لحصاد الشعير وتلقيح النخيل وولادة الخراف وجز الأصواف، تتغلغل هذه التفاصيل في جوهر الفكر الأسطوري العراقي، فيستحيل موسم الربيع إلى مهرجان وجودي ترتدي فيه الأرض حلتها الزاهية احتفاء بعودة الراعي دُموزي (تموز) إلى الحياة من جديد بعد مكوثه في العالم السفلي خلال فصل الشتاء، ومن ثُم إشهار إقترانهِ بالهة الخصب والحقول إينانّا (عشتار)، وقد تطور هذا العيد من طقس زراعي – ديني إبان العصور السومرية الكلاسيكية في الألف الثالث قبل الميلاد إلى احتفال وطنيٍّ- سياسي بالسنة الجديدة خلال العصورالبابلية والآشورية وكان يستمر لأحد عشر يوماً، حيثُ يتم خلاله التجديد السنوي لحكم الملك الذي لا يكتمل الا بحضوره كرأس للسلطة، ومن ضمن طقوسه تلاوة قصة الخلق البابلية ( إينوما ايليش – حينما في العُلى )