العقل الموسوعي العربي الاول .. الجاحظ

شاكر لعيبي

الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب بن فزارة الليثيّ الكنانيّ البصريّ (776م- 868م)، وُلد في مدينة البصرة ونشأ معدماً، ويقال بأنه كان قبيحاً جاحظ العينين، ميّالاً إلى الهزل والفكاهة. درس القرآن ومبادئ اللغة على يد شيوخ بلده، ولكن اليتم والفقر حال دون تفرّغه لطلب العلم، فصار يبيع السمك والخبز في النهار، ويكتري دكاكين الورّاقين في الليل فكان يقرأ بنهم.

«ومَنْ تكسَّب بشعره، والتمس به صلات الأشراف والقادة، وجوائز الملوك والسادة، وبالطوال التي تنشد يوم الحفل لم يجد بداً من صنيع زهير والحطيئة وأشباههما، واذا قالوا في غير ذلك أخذوا عفو الكلام، وتركوا المجهود، ولم نرهم مع ذلك يستعملون مثل تدبيرهم في طوال القصائد في صنعة طِوال الخطب، بل كان الكلام البائت عندهم كالمقتضب، اقتداراً عليه، وثقة بحسن عادة الله عندهم فيه، وكانوا مع ذاك إذا احتاجوا إلى الرأي في معاظم التدبير ومُهمّات الأمور مَيّثوه [ليّنوه] في صدورهم، وقيّدوه على أنفسهم، فإذا قوّمه الثقاف، وأُدخل الكير، وقام على الخِلاص [الثفَل الذي يكون أسفل] أبرزوه محكَّكًا منقَّحًا ومصفّى من الأدناس مهذَبًا».
البيان والتبيين.
°°°°°°°°°°°°°°°
«فإنما الشعرُ صناعةٌ، وضربٌ من النسج، وجنسٌ من التصوير».
الحيوان.
°°°°°°°°°°°°°°°°°
«والمعاني المطروحة في الطريق، يعرفها العجميّ والعربيّ، والبدويّ والقرويّ وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتمييز اللفظ، وسهولته، وسهولة المخرج، وفي صحة الطبع، وجودة السبك».
الحيوان.
°°°°°°°°°°°°°°°°
«نظرنا في الشعر القديم والمحدث فوجدنا المعاني تقلّب ويؤخذ بعضها من بعض».
الجاحظ عن «معاهد التنصيص».
°°°°°°°°°°°°
«ولا يعلم في الأرض شاعر تَقدَّم في تشبيه مصيب تام، أو في معنى غريب عجيب، أو في معنى شريف كريم، أو في بديع مُخترع، إلا وكل من جاء من الشعراء من بعده أو معه إن هو لم يَعْدُ على لفظه فيسرق بعضه أو يدعيه بأسره فإنه لا يدع أن يستعين بالمعنى، ويجعل نفسه شريكًا فيه».
الحيوان.
°°°°°°°°°°°°°
«وأما الشعر فحديث الميلاد، صغير السن، أول من نهج سبيله وسهل الطريق إليه امرؤ القيس بن حجر ومهلهل بن ربيعة، وكتب أرسطاطاليس ومعلمه أفلاطون، ثم بطليموس وديمقراطس وفلان وفلان قبل بدء الشعر بالدهور قبل الدهور، والأحقاب قبل الأحقاب، ويدلّ على حداثة الشعر قول امرئ القيس بن حُجر:
إنَّ بني عوفٍ ابتنوا حسنًا – ضيَّعه الدُّخْلُلُون إذ غدروا
أدَّوْا إلى جارهم خفارتَه – ولم يضِعْ بالمغيب مَن نصروا
لا حِميريٌّ وفى ولا عُدَس – ولا استُ عَيرٍ يحكُّها الثفَرُ
لكن عُوَيرٌ وفى بذمتِه – لا قِصَرٌ عابه ولا عَوَرُ
فانظر كم كان عمر زرارة، وكم كان بين موت زرارة ومولد النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا استظهرنا الشعر وجدنا له إلى أن جاء الله بالإسلام خمسين ومائة عام، وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمائتي عام».
الحيوان.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
[الشعراء] «أولهم الفحل الخنذیذ، والخنذیذ هو التام، ودون الفحل الخنذیذ الشاعر المفلق، دون ذلك الشاعر، والرابع الشعرور».
البيان والتبيين.
°°°°°°°°°°°°°°°°
«فالقضیة التی لا أحتشم منها ولا أهاب الخصومة فیها أن عامة العرب والأعراب والبدو والحضر من سائر العرب أشعر من عامة شعراء الأمصار والقری من المولدة والناتیة، ولیس ذلك بواجب لهم في کل ما قالوه، وقد رأيت ناساً منه يبهرجون أشعار المولّدين، ويستسقطون من رواها ولم أر ذلك قطّ إلّا في رواية للشعر غير بصير بجوهر ما يروى. ولو كان له بصر لعرف موضع الجيّد ممّن كان، وفي أيّ زمان كان».
الحيوان.
°°°°°°°°°
«ولو أن رجلاً من الباعة صاح: من یشتری باذنجان؟ لقد کان تكلم بكلام في وزن مستفعلن مفعولات. فكیف یكون هذا شعراً وصاحبه لم یقصد إلی الشعر، ومثل هذا المقدار من الوزن قد یتهیأ فی جمیع الكلام. وإذا جاء المقدار الذی یعلم أنه من نتاج الشعر والمعرفة بالأوزان والقصد إلیها، کان ذلك شعراً…»
البيان والتبيين.

«وكما لا ینبغی أن یكون اللفظ عامیاً وساقطاً وسوقیاً، فكذلك لا ینبغي أن یكون غریباً وحشیاً إلا أن یکون المتكلّم بدویاً أعرابیاً، فإن الوحشيّ من الكلام یفهمه الوحشيّ من الناس، كما یفهم السوقيّ رطانة السوقيّ».
البيان والتبيين.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°
«أحسن الكلام ما کان قلیله یُغنیك عن کثیره ومعناه في ظاهر لفظه… وإذا کان المعنی شریفاً واللفظ بلیغاً… صنع في القلوب صنیع الغیث في التربة الکریمة».
البيان والتبيين.
°°°°°°°°°°°°°°°°
«طلبتُ علم الشعر عند الأصمعي فوجدته لا یُحسن إلا غریبه، فرجعت إلی الأخفش فوجدته لا یُتقن إلا إعرابه، فعطفت علی أبي عبیدة فوجدته لا ینقل إلا ما اتصل بالأخبار، وتَعلَّق بالأیام والأنساب، فلم أظفر بما أردت إلا عند أدباء الكتاب کالحسن ابن وهب ومحمد بن عبدالملك الزیات».
البيان والتبيين.
°°°°°°°°°°°°°
«ولا یعلم في الأرض شاعر تقدم فی تشبیه مصیب تام، وفي معنی غریب عجیب، أو في معنی شریف کریم، أو في بدیع مخترع، إلا وکل من جاء بعده من الشعراء أو معه، إن هو لم یعد علی لفظه فیسرق بعضه أو یدعیه بأسره، فإنه لا یدع أن یستعین بالمعنی ویجعل نفسه شریكاً فیه کالمعنی من صاحبه، أو لعله أن یجحد أنه سمع بذلك المعنی قط، وقال إنه خطر علی باله من غیر سماع کما خطر علی بال الأول، هذا إذا قرّعوه به …».
الحيوان.

«لو أن شعر صالح بن عبدالقدوس وسابق البربریّ کان مفرقاً في أشعار كثيرة، لصارت تلك الأشعار أرفع مما هي علیه بطبقات، ولصار شعرهما نوادر سائرة في الآفاق، ولكن القصيدة إذا كانت كلها أمثالاً لم تُسِرّ، ولم تَجْرِ مجرى النوادر، ومتی لم یخرج السامع من شيء، لم یكن لذلك عنده موقع».
البيان والتبيين. وسابق هو سابق بن عبد الله البربري الرقيّ. فقيه ومحدث وأحد شعراء الزهد في العهد الأمويّ، أخذ الشعر عنه وتتلمذ له أبو العتاهية، من أهل خراسان، سكن الرقة، عرف بأبي أمية البربري، هو ليس منسوباً إلى البربر وإنما لقب له كما يقال. ويرده بعض الباحثين إلى أصول عربية، ويرى أنه هاجر من المغرب العربيّ إلى بلاد الشام. وكان ينشد الخليفة عمر بن عبد العزيز شعره، فكان يتأثر به ويبكي حتى يقع مغشياً عليه.
°°°°°°°°°°°°
«وأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه قد أفرغ واحداً، وسُبك سبكاً واحداً، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان».
البيان والتبيين.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
«والصوت هو آلة اللفظ، والجوهر الذي يقوم به التقطيع، وبه يوجد التأليف. ولن تكون حركات اللسان لفظاً ولا كلاماً موزوناً ولا منثورا إلا بظهور الصوت».
البيان والتبيين.