الغوايات وتحفيز العقل 1-2

ناجح المعموري

قال البرتو مانغويل بفن القراءة، وذهب علي حسين الى غوايات القراءة السؤال الأول الذي تثيره العنونة: أيهما الأكثر ضبطاً وتحققاً لاتساع تفاصيل المعنى وتنوع عناصره. انه فن القراءة المتجاور مع الفنون التي عرفها تاريخ العالم منذ لحظة ابتداء الحضارات وظل الخصائص المميزة له تتراكم وتنتج المعنى الجديد غير المضاد لما كان سائداً وحاصراً في التداول. وانتج الفن فلسفاته وجمالياته. اما الغواية منهن الطاقة الجمالية الكامنة في الشيء والتي تغري من ينظر اليها وتجذبه بقوة وبجد نفسه غير قادر على مقاومتها وينحاز لها سريعاً ولا يفك الاشتباك معها، لأنه يخضع للتكريس بتأثير الزمن وما ينشأ من تجاربه الأولى التي تتحول تراكماً جديداً ومضافاً. وتلعب الغواية دوراً بارزاً في خلق نوع من الثنائية بين الانسان والقراءة او اي شيء آخر. وما دام حديثنا عن القراءة، فان الكتاب هو الذي يغوي، ويلعب دوراً في ابتكار الصداقة مع الكتاب، التي تذهب بالقارئ نحو اقتراح آفاق ودلالات، هو الذي يعرفها. وحتما تختلف غوايات القراءة في تجربة علي حسين صاحب الخبرة التاريخية عن الذي التقطته الغواية عبر كتاب واحد أو أكثر.
وكتابنا الخاص بالأستاذ الباحث علي حسين مغاير عن غواياتنا على الرغم من تاريخنا الطويل مع القراءة، لان علي حسين اقترح لغواياته هندسة، وتخطيطاً خاصاً به، وكأنه ــ هكذا تبدّى لي ــ خلق لها انموذجاً فريداً بالقراءة، ونجح في ما ذهب إليه، بحيث يضع الإنسان وسط مهمة ذات وظيفة تنويرية، تعريفية، ويمسك به ليأخذه معه في غوايات، ربما يشترك معه، او يعقد صداقة مع مغوياته، لكنه لا يتقيد بها، بل يختط، او يتعلم من خبرات علي حسين الامتداد نحو ما هو جديد. واعتقد من خلال متابعتي للصديق علي حسين فيما كتب، فانه حقق لنفسه نجاحاً وحضوراً متميزاً لم تعرفه الثقافة العراقية، او العربية من قبل ويتضح هذا عبر الكميات المطبوعة من دارين للنشر.
ولا شك بأنه سيحمل قيادة القراءة في العراق، لانها مهمة ليست سهلة، ولا غرابة فأن هذه التجربة باستمرارها وهي هكذا ولا تكف عن سيرورتها ستتمكن ــ اذا خضعت للدرس والفحص ــ الى نظرية ثقافية، ويكون لها تأثير واسع وعميق في الحياة العراقية.
ولان هذا الكتاب فيه تباين عما سبقه، اقترح له علي حسين ما لم يكن فيما سبقه، بحيث اخضعه لما يشبه لحظة خاصة به وتحولت لاحقاً، ومن خلال التتالي الى انتاج خصائص معينة وايضا عناصر خاصة به، انفرد بها، ووجدت بهذا نوعاً من اثارة القارئ للتورط بالغواية، من خلال العنوانات الخاصة بالفصول، لأنها تميزت بالشعرية العالية وهذا غير اعتباطي، لان قصديته واضحة من خلال المتن السردي المتميز والخاص بالفصل، ولعل الاستهلال الخاص بالكتاب هو تحفيز او غواية مبكرة، لها وظيفة تضغط على الانسان لشراء الكتاب لان قراءة الكتب تجدد حياتنا. وواضح بأن هذه التجربة فيها ما يجعلها خاصة لوجود تحضيرات، ربما ليست طويلة، بل ذات شذرات انتجها علي حسين. ومثال ذلك ما قاله غوركي: على الارض ما يستحق القراءة. او ما قاله كانط: «ان الكتب مثل الفأس الذي يكسر البحر المتجمد بداخلنا» وذهب الشاعر بول فاليري الى ان مجرد فتحنا لصفحات الكتاب يمكنه ان يمنح أفعالنا رؤيا جديدة وما قالته فرجينيا وولف: ان القراءة الحقيقية هي التي لا تمنعنا من استبعاد كل التصورات المسبقة عندما نقرأ.
وتكشف حكمة الروائي هنري ميلر عن تشارك الكتب كلها بصداقة حميمة وتتمتع بغوايات: ان الكتب التي لا تروق لك ربما تصبح فيما بعد مدخلاً لكتب أخرى ستحبها وتتعلق بها. اما نصيحة جبرا ابراهيم جبرا لعلي حسين: «اقرأ كل ما يصادفك «
ورأي جبرا خميرة تجربته استلمها علي حسين وفعلاً هو الان مثلما كان مستمراً بقراءة كل ما يصادفه، ومثل هذه العلاقة تفتح العديد من الافاق والتنوعات على الحياة والعالم، ولذا فعل ما هو عليه وتكرس ذلك بالحكمة التي قالها عبد الرحمن منيف: «حاول ان تجعل من القراءة واقعاً تعيشه».
عودة لعنونات الفصول، فهي النافذة المفضية على ما سيتحدث عنه علي حسين في هذا الفصل، لكني وجدت مستلات ذات قيمة عالية في معناها واختارها ان شذرة أو أكثر في الفصل الواحد، وهذا الحضور درس للقارئ للاعتناء بالقراءة وحيازة ما يذكره بعد زمن طويل بما قرأ، لذا اختار كثيراً من الحكم المستولدة عبر غوايات القراءة وصارت تجوهرات كاشفة عن وعي علي حسين المبكر وهو يلتقط شذرات ويسجلها، ويجدها بعد عشرات السنين صالحة ان تكون مرسلة الى القارئ المقترح كهدية له. وانا وجدت في شذراته وحكمه نوعاً من المتعة والشعرية السريعة، المفاجئة لي اثناء القراءة، وربما لها فضيلة تغيير النمط المهيمن اثناء القراءة. ومثل هذه الالتقاط، تجعل القارئ مهيئاً وحاضراً مع ما يساعده من موجودات لأجل التدوين، وكم هي حيوية هذه المدونات عند الاطلاع عليها بعد عشرات السنين، وتضيء له الكتاب الذي التقط منه هذه المجوهرات وتفاصيل زمن القراءة.
منحنا كتاب غوايات القراءة فرصة التقاط التنوعات والتعرف على حكم وشذرات قالها العديد من الادباء والكتاب في العالم. واذا اردنا جمع كل ما توصل اليه علي حسين لحققنا فوزاً بخلاصات لتجارب حياتية معقدة، صعبة وبعضها عرض حياة الكاتب للمهالك وكم هي المتاعب واتساع مساحات التشرد، والسهر من أجل الكتابة وتمزيق أوراق ما كتب وايداعها للنار، وعاودته الكتابة مرة ثانية مثل ما حصل مع رواية «لوليتا « لنا بوكوف. وهذه تجربة ليست فريدة، بل لها ما يماثلها، تعطي القارئ الذي سيكون كاتباً بالمستقبل درساً. لم يكتف الاستاذ علي حسين بشذرات الاستهلال ومتكرراته ضمن متن السرد، بل اختار نصوصاً مهمة للكاتب / الكتاب.
جعلها ضمن سياق السرد الذي وصل الى مرتبة متوترة، وتتحول بمهارة علي حسين وخبرته الى بؤرة عززت ثنائية العلاقة، لان النص الطويل المستل من بين حشود آراء الكاتب له تأثير خاص، ومختلف عن الآراء الاخرى. ومثل هذه الالتقاطات تمنح النص المكتوب توتراً وشداً من العلاقة بين الانسان والمقروء، وتتفعل متعة القراءة. وتتعمق غواياتها. ومثل هذه الملاحظة اهم عناصر كتابات علي، لأنها تعني ما يعزز نصه ويجعله محفزاً ويتعمق ويوظف ايضا امكاناته في تصعيد التأثيرات السردية.
************************
حاز الاستاذ علي حسين مساحة واسعة في الوسط الثقافي وله قاعدة مهمة من القراء وهو مقتدر ويتمتع بتجربة ثقافية مهمة على الرغم من انه لم يكشف عنها للآخرين. لكنه في كتابه «غوايات القراءة « ارتضى الاعلان سريعاً وبإيجاز بعض المعلومات عن حياته والاعلان عن سيرته . وقلت له بأن هذه الاختيارات التي استدعتها الغوايات تشكل وحدها فصلاً حيوياً من سيرته، واقترحت عليه الانتباه لذلك، وأنا واثق بأنه وبما هو متراكم من علاقات مع أبرز الاسماء الثقافية والفنية العراقية والعربية قادر على انجاز كتاب سيرته.
وجود مقتطفات من السيرة الذاتية، وتجربة القراءة، تنطوي على انتباه الاستاذ علي لأهمية ذلك، لأنها دخلت ضمن مسار الغواية، لتنبه لعتبتها الاولى. ومثل هذه الخلاصة التي تسللت لتجربة علي حسين تفضي بنا للإشارة لها والاشادة به، لأنها منحتنا فرصة حيوية ضمن هذا المجال، وللتعرف عليه والاطلاع عبر الخطف والسرعة التي دائماً ما يتميز بها علي حسين، حتى في أعمدته الصحفية اليومية، وتجعل منا وسيطاً مهماً للاكتشاف ما هو كامن في هذه التجربة. واعتقد بوجود وظيفة مخفية، لأنها بعمق الكتابة، وهي ما تنطوي عليه من اعلان موجز عن وجود اسباب مبكرة اسهمت بتأسيس ما ساعد علي حسين لكتابة غوايات القراءة، وهو لا يختلف عن الاسماء اللامعة التي كتب عنها، ولديه ما يمكن ان يقوله ليكشف به عن خصائص مهمة قادت اليها صدفة الحوار او اللقاء مع اسم ثقافي مهم. ومثل هذه الالتماعات يتذكرها علي حسين، لأنه يتمتع بذاكرة مدهشة جداً.
وتسهم هذه ضمن يوميات سابقة في المتن وهي دليل الشاب كي يعتمد تدوين ما له علاقة بصداقته مع الاسماء الادبية والفنية. ومن سبل نجاح اتمام الصداقة بين القارئ والكتاب، ادركها علي حسين واهمها التعريف بالاسم الادبي اللامع وتوصيف اطار ثقافي واجتماعي وفني، لان الصعوبات التي تواجه الكتاب الذي صار اسما عالمياً بارزاً تمنح الانسان الذي ربما سيذهب نحو الكتابة الاستفادة من تلك التجارب ويحوز مماثلاتها ويبدأ قوياً وصابراً على اشكالات الكتابة ومصاعبها هذه التجارب المتكررة مرات مثل رواية «الحارس في حقل الشوفان» الذي لم يجد سالنجر ناشراً لها، وكان اصحاب دور النشر يسخرون منه ويصفونه بالجنون، فمن يقرأ رواية عن تصرفات فتى مراهق؟ امضى عشر سنوات في كتابة الرواية، اختارها عنواناً من جملة يقولها البطل من انه مستعد ان يصبح حارساً في حقل الشوفان، من اجل حراسة الاطفال من اي أذى، في النهاية وجد ناشراً جازف بطبع خمسمائة نسخة. لكن بعد ثلاثة اعوام بيع منها خمسة ملايين نسخة، ودخلت المناهج الدراسية في أمريكا . يشكو بطل الرواية من غياب الصدق والبراءة والتضييق على الحريات الشخصية . توفر هذه التجارب نماذج للمتاعب التي تواجه الكاتب في وجود ناشر يقبل بنشر مخطوطته واحيانا يواجه الفشل لفترة طويلة ويعاد كتابة ما هو جاهز مرات عدة، ولاحقاً يتحول الكاتب المحبط والفاشل الى نجم لامع وله سمعة عالمية.