الفرسان لا يلبسون الدروع .. عن تكريم المثقف بوصفه إهانة

أحمد عبد الحسين 

ليس من أديب عراقيّ إلا ويحتفظ في بيته بعددٍ كبير من «دروع» وشهادات تذكاريّة أعطيتْ له بعد قراءته في أمسية شعرية أو قصصية أو أثر مداخلة له في ندوة أو لمجرد حضوره في محفل ثقافيّ. دروع تكاد تكون متشابهة حدّ التطابق في شكلها وتصميمها والنصّ المكتوب عليها.

دروع وسيوف
قبل كتابتي هذا المقال أخرجتُ عدداً من هذه التذكارات والشهادات لأتصفحها، بعد أن كانت مركونة في زاوية مهملة من المكتبة. مفزعٌ مقدار فقر الخيال الذي يقف وراء تصميمها، ومفزع أكثر انعدام الجديّة الذي توحي به كثرتها.
منذ التغيير الكبير سنة 2003 تتعالى أصوات المثقفين مطالبة بضرورة أن يحظى المثقفُ العراقيّ الحيّ باهتمامٍ من لدن المؤسسات قبل موته. يعيد المثقفون هذه اللازمة عند كلّ خبر عن وفاة مثقفٍ أهمل مديداً في حياته ولم يُذكر اسمه إلا في خبر نعيه الذي يثير الأسى ليومين فقط ثم يخلد هو واسمه إلى النسيان.
لهؤلاء المتبرمين من المؤسسة والناقمين عليها الحقّ في نداءاتهم الداعية إلى إنصاف كاتب أو شاعرٍ وإنقاذ اسمه من الإهمال، لكنّ هذه النداءات غير ناضجةٍ أيضاً، غير مفكّر بها جيداً، لم يتدبّرها مطلقوها ولم يتعبوا أنفسهم في اقتراح مشروع ثقافيّ كبير تتبناه المؤسسات الرسمية وغير الرسمية.
عدم نضج النداءات هذه، قابله انعدام خبرة المؤسسة نفسها، وركونها إلى انتهاج الطريق الأسهل، الأقلّ كلفةً، الطريق الذي يعفيها من العمل الجادّ المثمر، فأصير إلى تقليدٍ صار عرفاً ثقافياً عراقياً يتمثل في منح دروع وشهادات تقديرية كيلاً بلا ثمنٍ بمناسبة وبدونها.

شعور بالذنب
هكذا كأنما كان الرسميون من القائمين على شؤون الثقافة، ومثلهم المنظمات والنقابات الثقافية، بحاجة إلى فعلٍ ما يخفف شعوراً بالذنب جرّاء عدم فاعليتهم، أو يمنحهم نحواً من تطمين على أنهم قاموا بـ»إنجاز» يُذكر، فراحوا يخاتلون ذواتهم ليغرقوا الأدباء بشهادات تقديرية ودروع وتذكارات أصبح حتى أصحاب أنصاف المواهب يمتلكون العشرات منها.
لم يحدّث أحدٌ من العاملين في الشأن الثقافيّ نفسه بأننا نسلك الطريق الخطأ. لم يفكر أحد للآن بأن تكريم الثقافة والمثقف يتحدد أولاً وأساساً في خلق البيئة الأنسب للإنتاج المعرفيّ والأدبي. ففي كثير من بلدان العالم «القريبة منّا مكاناً ومكانةً لئلا نطمح بأن نكون كدول العالم الأول» يُكرّم الروائيّ من خلال تكفّل المؤسسة بمعيشته لمدة من الزمن يتم الاتفاق عليها ريثما ينجز روايته. يتم تكريم الشاعر تكريماً حقاً حين تكون أعماله محطّ رعايةٍ من خلال طباعتها وتوزيعها بشكل لائق، بدلَ أن يضطرّ إلى تحمّل إذلال وشيطنة بعض دور النشر «كما هو حاصل عندنا» أو يضطرّ إلى دفع نتاجه لدار نشر رسمية تجعل من دواوينه وليمة للفئران في المخازن «كما حصل ويحصل وسيظلّ يحصل بإذن الله في دار الشؤون الثقافية التابعة لوزارة الثقافة العراقية»!

تكريمنا وتكريمهم
نقرأ في الأخبار كثيراً عن أديب مصريّ أتته منحة من وزارة الثقافة في بلده تفرّغ بفضلها لإنجاز كتابٍ في منتجع سياحيّ، كما نقرأ عن مفكرين مغاربة ابتعثتهم دولتهم للالتقاء مع مفكرين فرنسيين ومحاورتهم وترجمة أعمالهم، ونقرأ عن اتحادات للأدباء في بلدان عربية أخذت على عاتقها نشر وتسويق نتاجات أدباء حتى لو لم يكونوا أعضاء فيها، ونقرأ عن بيوت شعرٍ يجوب شعراؤها دول العالم للتعريف بالحركة الشعرية في هذا البلد أو ذاك، ونقرأ عن تجمعات أهلية تأسست وصارت لها قوة وسطوة بحيث استحقت أن تتبناها المؤسسات الرسمية، نقرأ عن مجلات رصينة تصدر لاستيعاب النتاج الثقافيّ، ونقرأ عمل دؤوب لحفظ كرامة المثقف وصونه من ذلّ الحاجة للمال، نقرأ ذلك كلّه ونأسى لأننا في بلدٍ غنيّ ذي تأريخ ثقافيّ مشرق إذا أراد أن يُكرّم المثقف فسيعود إلى البيت بخيبة كبرى ودرع صغيرٍ يضيفه إلى أكوام الدروع التي يحتفظ بها في ركن قصيّ من غرفة المكتبة.
نعرف ويعرف كثيرون أنّ آلية ونهج التكريم العراقيّ هذه، أصبحت مثار تهكّم وسخرية المكرِّم والمكرَّم. قبل أيام اتصل بي صديق في منظمة ثقافية قائلاً لي: هناك درع باسمك لتكريمك هل تريد أن تستلمه؟ إذا لم تكن ترغب باستلامه فسوف نعطيه لواحد آخر! تخليت عن درعي طبعاً كفارس مقدامٍ مستعدّ للتخلي عن الدرع لكنه لا يتخلى عن السيف أبداً!
هذه السخرية المخجلة علامة على فقدان ثقة المثقف والمؤسسة معاً بما نفعله. لم يعد لهذه الشهادات التقديرية من قيمة تُذكر، قيمتها المعنوية تساوتْ تماماً بقيمتها المادية التي هي ليست أكثر من ثلاثة آلاف دينار «ما يعادل دولارين» في سوق التحفيات بشارع المتنبيّ حيث يجتمع كلّ جمعة فرسان الثقافة العراقية وصدورهم مزيّنة بالدروع.

ما الحلّ؟
اكتشاف طرق أخرى توصلنا بعمل ثقافيّ مثمر ليس أمراً مستصعباً. إنه ممكن. يتمثل بالتخلّي عن هذه العقلية التي ترى في الأديب والمثقف والشاعر والمفكر والإعلامي كائنات يمكن إرضاؤها بالقليل القليل من مسمّى التكريم، بالتربيت على الكتف أو بخطاب إنشائيّ ومديح مجانيّ يمكن أن يقال عن هذا وذاك.
بكلمة واحدة: تكريم المثقف إما أن يكون حدثاً ثقافياً أو لا يكون!