الفلسفة في فكر السيد محمد باقر الصدر

حسين علاوي

ان الفلسفة جهد إنساني يربط الفكر بالوجود، ومنها أيضاً أن تكون بحثا عن الحقيقة التي تنتشل الانسان من حالة الشك والاضطراب الى حالة التوازن.. ومنها كذلك، انها معرفة واعية ومتنامية بالوجود كما هو موجود، بمعنى المعرفة التي تساعد الانسان على تحديد موقعه الوجودي بالنسبة الى ذاته والى غيره.. كما بالنسبة الى العالم الذي يرى نفسه فيه عاقلا وفاعلا ومنفعلا في نفس الوقت.
ويعتبر (مارتن هيدغر) ان الشيء الاساسي في الفلسفة هو معرفة علاقة الفكر بالوجود..
ويرى (كارل يسبرز) ان الفلسفة تعني الوجود في كليته.. فان (هنري برغسون) يقرر انه اذا لم يكن في استطاعة الفلسفة ان تنبئنا بشيء عن تلك المشكلات الخطيرة التي تثيرها الانسانية، فأنها لن تستحق منا عناء ساعة واحدة نقضيها في التأمل والتفكير.
ويتابع (لويس لافل) وجهة نظر (برغسون) قائلا: انه ليس ثمة ساعة يمكن أن تكون أشد خطورة بالنسبة الى الانسان من مشكلة الوعي الذي يستطيع أن يحصله من نفسه، وعن معنى وجوده، وعن مكانته الخاصة في الكون، وهذا كله انما هو موضوع الفلسفة.
وفي فلسفة الصدر يظهر الانسان في كمال دوره كخليفة الله على الارض، بحيث تكون تعاليم الوحي ومسوغات الشرع وقدرات العقل موضوعة كلها في تصرف الانسان لكي يتمكن بواسطتها من معرفة خالقه، معرفة ذاتية، معرفة الوجود في بدايته ونهايته وموقعه العابر في هذا الوجود، ومعرفة الوسائل والغايات التي ينبغي عليه أتباعها والسعي اليها في نظامه السياسي والاجتماعي والاخلاقي والحضاري.. كان الفكر الاسلامي متمحوراً حول الفقه وعلم الكلام. ولم ينفتح على الطرح الفلسفي.. بل كان محتشماً وضمنيناً.. ولم تكتمل صورته العلمية الواضحة الا على يد السيد محمد باقر الصدر.. وهو طرح يعتمد على النقد في الاساس وهذا يختلف عن النزعة التوافقية كما يختلف عن الفلسفة الاسلامية.. التي كانت سائدة..
فالسيد الصدر حدد الاطار المنهجي والمعرفي لفلسفة اسلامية معاصرة.. حاججت بطريقة علمية موضوعية كل المدارس الفلسفية.. وقد اعاد صياغة الفكر الاسلامي صياغة فلسفية جديدة في أفق نقدي يختلف عن فلسفة ابن سينا والفرابي والغزالي وابن رشد.. التي كانت خاضعة كلها لمفاهيم الفلسفة اليونانية.. فصاغ المفاهيم حسب متطلبات الشروط الجديدة للعقلانية وجوهر الدين.. وكان واعياً لما تطرحه الفلسفة الغربية.. فكانت فلسفته ملتزمة باهتمامات وواقع الشعوب العربية والاسلامية.. وبالانسانية على العموم.. فنقد الفلسفة الاسلامية والغربية على حد سواء..
وللامام الصدر قدرة فذة للغور في صميم المغالطات الفلسفية لاكتشافها، وبيان زيفها، وهو امر يدل على أن الامام الصدر يمتلك وضوحا شموليا وعميقا لقضايا الفلسفة، وأي محاولة تمويه يستطيع الامام الصدر (قدس) بسهولة نادرة تبديدها وتمزيق قناعها الخادع.. وما تحتويه من تلاعب مفضوح بالمعاني والافكار والاساليب.. وبرغم أن الكثير من الفلاسفة المسلمين الذين برزوا في العصور الوسطى اخذوا من اليونانيين علوم العقل والبحث النظري والرياضي والمنطقي..
وتأثرهم بمدرسة أرسطو التي ظلت محافظة على اسسها وروحها العامة عند الفلاسفة الاسلاميين، ابن سينا، ابن رشد، الكندي، الطوسي، الملا صدرا.. ودفاع هؤلاء هن المعلم الاول ومنهج فلسفته.. الا أن مدرسة الامام الصدر (قدس) استلهمت روح القرآن الكريم، كما نفهم ذلك من اشاراته السريعة.. التي بدأ بها كتابه القيم (الاسس المنطقية للاستقراء) فقام بنقلة كبيرة، وجاء بإبداع منطقي فسر به الاستقراء تفسيراً جديداً.. بعد ان كان ارسطو القمة في هذا المضمار..
وفي نقده لفلسفة هيجل المثالية يرى الصدر ان هيجل يتسرع في الاستنتاج.. ويتسرع في التعميم وفي صياغة مذهبه الفلسفي.. وهذا ما يجده القارئ في تأليهه لنابليون ومبدأ القوة وبين افكاره الجمالية والمثالية..
وبرغم أن السيد الصدر أعتبر مؤسس النظرية الماركسية مفكرا صاحب ذكاء فائق في تحليلاته وعمق افكاره.. الا أنه اعتبر نظريته محددة ببيئة الاجتماعية ولا يمكن تطبيقها على الساحة العالمية.. وان الميتافيزيقيا ليست مرتبطة بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية وفي مرحلة تأريخية كما ترى الماركسية.. والتساؤلات الميتافيزيقية تساؤلات تصدر عن الانسان بصورة فطرية..
وقد رفض الماركسية والرأسمالية في مجال الاقتصاد لان الانسان هو الذي يملك مبادرة التغيير وليست الظروف الاجتماعية ووسائل الانتاج.. فالتصورات المادية للكون لا يمكنها ان تتجاوز حدود نسبتها.. كما لا يمكنها أن تدفع بالانسان خارج نسبته.. في حين أن الدين يفتح مجالا واسعا للنسبي كي يتجاوز نقضه بتطلعه الى المطلق.. (الانسان وشهادة الانبياء).
ويعتبر الرأسمالية وماديتها دمرت انسانية الانسان، وجعلته مجرد كائن مستهلك تتمحور حياته كلها حول الانتاج والاستهلاك.. وهذه النظريات تفصل وجود الانسان عن الله تعالى.. واحيانا بالاكراه.. والدين يعطيه حرية كافية بالاختيار.. من شاء فليؤمن.. ومن شاء فليكفر.. وبربط الانسان بالله لا بالحتميات وفرض حتمية الايديولوجيات عليه.. بل أن فلسفة الصدر تعتبر المعرفة المطلقة والنهائية وفكرة الكمال خاصة بالدين لا بالفلسفة.