الفنومولوجيا الإيقاعية والزمان الإبداعي للمادة

د. فاضل سوداني

يمكن دراسة (الفنومولوجيا) الايقاعية من ثلاثة جوانب: مادية / بسيكولوجية /بيولوجية .
ولكننا الان سننظر الى علاقة المادة بفضاء العرض المسرحي من جانبين هما: الجانب المادي والجانب البسيكولوجي .
بدءاً علينا أن نفرق بين الفراغ الذي هو بعد متناهٍ والفضاء كونه بعداً لا متناهياً والذي هو زمكان وفضاء له علاقة بالابداع مملوء بالرموز والإشارات التي من خلالها يتجسد الزمان بصرياً بحيث يتحول فيه الخيال الى لغة بصرية والفكر الى مادة،وهذه المادة من جديد تتحول الى فكرٍ مجسدٍ رمزي أيضا.

فالمادة في الفراغ هي مادة جامدة غير ديناميكية تحافظ على وظائفها كما هي عليه في الواقع ، وهي وظائف لا تتعدى الاستخدام اليومي .وعلينا أن نتذكر بان أهم مبادئ علم الفيزياء المعاصر هو تحويل المادة الى إشعاع ومن ثم تحويل الإشعاع الى مادة جديدة بعد ذلك .
ماذا يعني هذا التحول ؟ أنه يعني بوضوح بأن المادة والإشعاع متناظران، أي أن المادة هنا تمتلك ميزة الإشعاع، أنها تمتلك تلك المزايا التموجية والإيقاعية.
فالمادة ليست منشورة تموجياً في المكان عندما تكون في الفراغ اي في الزمان اللامبدع، وإنما وجودها يكون عيانياً ـ ظاهرياً فقط ،وهي لا تبالي بالزمان وحركته لأنها جامدة كلياً لا تمتلك إلا وظائفها وميزاتها الواقعية، اي أنها في زمن وحيد الشكل فهي لا تمتلك حساسيتها ازاء الإيقاعات المشعة،لأنها في الفراغ الذي يفقد فيه الزمان بنيته التموجية.
ولكن في الزمان الإبداعي وهذا هو المهم فإن المادة لا تكون وحيدة الشكل وإنما ستكون حساسة ازاء الإيقاعات في الفضاء، أي أنها تتحول من مادة جامدة ـ كما كانت عليه في الفراغ وقبل الزمان الإبداعي ـ الى مادة إشعاعية ديناميكية أثناء العملية الابداعية ـ حتى يمكنها أن تتحول من مادة الى أخرى ومن شكل الى آخر أي تكون متعددة الوظائف والأشكال وفي كل تحول تتغير وتتشكل تموجاتها الإيقاعية وتتحول الى أشكال إشعاعية ومعها يستعيد الزمان بنيته التموجية والإشعاعية فتتحول من مادة الى إشعاع وتؤثر على مكونات الفضاء الإبداعي الأخرى بما فيها الزمان إذ من جديد يتحول هذا الإشعاع الى مادة عندما تتخذ شكلها الجديد بحيث يمكننا أن نرى الزمان مثلا متجسدا مادياً وبصريا ً وإشعاعياً وإيقاعياً من خلال الإبداع الفني كما هو الحال في تتابع الألوان وتدرجها مما يشكل تدرجات ايقاعية تعبر عن الزمان .
وتطبيقاً ايضاً يمكن القول بأن «الكرسي» في فضائه الواقعي هو كرسي للجلوس فقط ولكن عندما يوجد في اللحظة الإبداعية ومن خلال التداعي البصري الحر وسايكولوجية الزمان يمكن أن يتحول الى كتلة وشكل آخر فيتخلى عن وظيفته الواقعية (الجلوس عليه) الى قبو أو زنزانة في سجن أو رأس إنسان ما او تاج ويتحول ايضاً الى سجين أو الى حوت يبتلع البطل إذا رغب مخرج العرض بذلك .
بمعنى أن الإشعاعات التموجية و الإيقاعية في مرحلة التحول والتشكل الجديد تُحدث في الفضاء الإبداعي اختلالاً أو انفجاراً زمانياً، أي أن المادة تتخلى عن وظائفها وزمنها الواقعي وتخضع الى زمن جديد، زمن ابداعي يمكن أن تتحول وتتشكل من جديد ، وتكف أن تكون مادة جامدة ظاهرياً في الزمان، لتصبح مادة متحولة لها شكلها الجديد وإيقاعها ويمكن أن تطوع ابداعياً بصيغة جديدة .
وهنا فإن المادة تمتلك حريتها المطلقة وقدرة تحولها عندما تكون في الزمان الإبداعي ، فتتحول الى كتلة أخرى لها ذاكرتها الابداعية المجسدة اي عندما يتحول الكرسي الى زنزانة أو قبو يتم نو ع من التواتر الإيقاعي الحر المبدع أو لنسمية بالتداعي البصري الابداعي الحر، اي أن المادة تتحول الى ذاكرة وبالعكس . فإذا توقف هذا التداعي البصري الحر عن التأثير في فضاء الإبداع مع الاشياء والكتل الأخرى فإن المادة تكف عن الوجود البصري الإبداعي، لأن الطاقة التموجية التي تميز العمل الابداعي هي طاقة الوجود المتجدد، فنحن نعيش في عالم الإشعاعات التموجية وعالم من الرموز البصرية ولهذا يؤكد بودلير بأننا نعيش في عالم من الرموز.
إذن هنالك علاقة بين الإشعاعات التموجية ووحدانية الشكل ولهذا ينقل لنا باشلار عن «بينهيرو دوس سانتوس» صاحب «نظرية الفنومونولوجيا الإيقاعية» قوله المهم (لا وجود للمادة والإشعاع إلا في الإيقاع وبالإيقاع ) .
اذن لا يمكن أن يتكون الإيقاع إلا بواسطة المادة ،ولكنها ليست مادة سكونية كما هي عليه في الواقع وإنما هي مادة تمتلك القدرة على الاشعاع المتموج والديناميكي والمتغير في الفضاء ، وهذه الحركة كلها هي الإيقاع، وأن المادة هي حركة إشعاعية متغيره . إذن المادة بحركتها الإيقاعية هي زمن غير ثابت متجسد بشكل صوري .
ولهذا يمكننا القول باننا نعيش في التوازن الإيقاعي سواء كان وجوداً متناغماً أم هارمونيا متناقضة أو إيقاعا متنافراً، فتحول الأشياء والمواد من شكل الى شكل إبداعي آخر يبين الميزة الأساسية للإيقاع بالنسبة الى المادة ويؤثر عليها، وأيضا فان تحول المادة بالتأكيد سيؤثر على تغييرهارمونية الإيقاع، لأن المادة موجودة في زمن تموجي فقط . ولكن اي وجود بشري هو وجود روحي تتحكم فيه ميتافيزيقيا الخيال وفنو مونولوجية الايقاع وبواسطتهما تتحول المادة الى إشعاع والإشعاع يتحول الى مادة من جديد.
وفي المسرح وخاصة بوجود الأشياء في الفضاء الابداعي فان المبدأ المهم هو تناول «الشيء» باعتباره دلالة مؤثرة على الانطباعات والأفكار، ولكن المهم هنا هو ليس الشيء ذاته وإنما تأثيره اي (رسم الانطباعت الشاردة وتدوينها ليس من خلال التعبير عن «الشيء» بل تصوير تأثيره فتمحى جميع الكلمات أمام الاحساس الذي يولده هذا التأثير)