الفيلسوف ميشيل سير : لاينبغي الخوف من كلمة اصل

أجرى الحوار دومينيك لفلو

ترجمة عبد الرحيم نور الدين

ميشيل سير Michel Serres (فاتح شتنبر1930- )، فرنسي الجنسية، فيلسوف وباحث متخصص في تاريخ العلوم والتواصل، عضو الأكاديمية الفرنسية منذ 1990.

* كلمة «الأصل» تستدعي التفكير. هل يتعلق الأمر حقا بمصطلح علمي؟

– نعم ولا. ذلك أنه من لحظة تعيين أصل ما، كما قال فلاسفة كثيرون، يكون من المشروع طرح السؤال: « وماذا كان قبل ذلك؟». إن الأصل مصاب بنوع من التناقض الداخلي. علاوة على أنه من الممكن استعمال هذه المفردة بثلاثة طرق: بكيفية عادية، في الحياة اليومية؛ لكنها تستعمل أيضا في العلوم؛ كما تستعمل في الأساطير.

* لننظر في الكيفية العادية…
– أبحث في أصولي الشخصية. تحمل شجرة نسبي التقييد التالي: «ملاح، فلاح من منطقة لاغارون La Garonne». أبي، جدي، وأب جدي، وهلم جرا، جميعهم فلاحون بحارة من منطقة «لاغارون». مهما ابتعد سفري في الزمن الماضي فأنا لا أجد سوى ما ذكرت؛ ليس ثمة أصل. ومن ناحية أخرى، إن إسمي هو «سير» Serres…وهي كلمة تدل على الجبل، مثل Sierra باللغة الإسبانية،
وSerra باللغة البرتغالية، ولكنها ليست كلمة لاتينية. إنها ذات أصل تركي أو أورالي-ألتائي. إن أصل اسمي منغولي. أجل، لكن من أتى به؟ من أين جاء هذا المنغولي؟ هل كان جنديا؟ عابر سبيل؟ لا نعرف أي شيء بهذا الخصوص. أترون: عندما تهتمون بالأصول، فأنتم تعودون وتعودون، وفجأة تظهر لكم علبة سوداء !

* هل نجد نفس الأمر في العلوم؟
– لنأخذ مثال الكائن الحي. إذا عدتم إلى أصل جميع الأنواع، وكل البكتيريات، وكل الجزيئات، ستعثرون فجأة على الجزء الأول الذي استنسخ ذاته. لا أحد يعرف كيف حدث ذلك، رغم وجود فرضيات من كل الأشكال، مثل فرضية «أوبارين» Oparine( 1). ها نحن من جديد أمام علبة سوداء ! ونفس الشيء يقال عن أصول الكون. أعود وأعود وأعود…يطلع «الانفجار الكبير» Big bang- إذا ما وجد فعلا ! إن ما نكتشفه هو وجود حاجز، المسمى « حائط بلانك» Le mur de Planck، حاجز لا يستطيع علم الفيزياء قول أي شيء على جانبه. إنها العلبة السوداء مجددا !

* وهل للأساطير علبتها السوداء أيضا؟
– في أسطورة أصل البشر عند الإغريق، هل تعرفون كيف يتصرف «دوكاليون» و «بيرها»، وهما المعادلان لآدم وحواء، لإنتاج إنسيين؟ إنهما يرميان حجارة وراءهما. إنهما لا يعرفان حقيقة فعلهما، ذلك أن الفعل كان يجري خارج حقل رؤيتهما. هذا هو العلبة السوداء. بشكل معين، فالتجربة هي عينها بالنسبة لآدم وحواء في الجنة. بخصوص جنيالوجيا الأحياء هذه، يتعلق الأمر مجددا إذن بعلبة – يمكن أن توصف بالبيضاء، لأنها سعيدة، هذه العلبة، لكن معرفتنا بها ليست أحسن من معرفتنا بالعلب الأخرى. في كل مرة يُطرح مشكل الأصول، ينبثق بهذا الشكل التناقض الذي ثمنه الفلاسفة. لا يمكن الكلام في العلم عما جرى قبل ذاك الذي يعرف علم الفيزياء أو علم البيولوجيا تفسيره. ثمة تشعيب انطلاقا من لحظة منسية.

* هل نشاهد هذا التشعيب و نحن نتراجع زمنيا إلى الماضي أم ونحن نأتي من الماضي في اتجاه الحاضر؟
– الفرق بين الصعود والنزول بسيط جدا: عندما تنزل فليس هناك غائية في نفس اتجاه التيار؛ وعندما تصعد فأنت تبحث دوما عن سببية ما. هذا صحيح في التاريخ وفي العلم. بعد انتصار دونالد ترامب امتلأت الصحف بتفسيرات كثيرة عن أسباب هذا الانتخاب…الذي لم يتوقعه أي أحد !

* هل السببية مخترعة أم إنها اكتشفت واقعيا؟
– يعطي مؤرخ ما السبب كذا للثورة الفرنسية، ويعطي مؤرخ ثان سببا آخر…نجد الأمر نفسه في العلم. لا وجود للغائية في نظرية داروين. لكنك حينما تفحص الأنواع وتعود أدراجك في الزمن، فأنت تنتقل من حلقة إلى أخرى، وفي كل مرة تعثر على «وحش يحمل الكثير من الوعود»، أيْ كائن ما كان بإمكانه أن يعطي الكائن الذي تلاه. إنها طريقة للوصول إلى بعض السببية. لكن هذا لا يمنع من الاصطدام عند الأصل بالعلبة السوداء المذكورة آنفا.

* هل يمكن القول إن العلماء ورثوا نفس تساؤل الفلاسفة؟ أم أنهم اعتقدوا أن في مقدورهم بلوغ المعرفة كلها؟
– نعلم أن العلماء يعرفون تأريخ مواضيعهم منذ فترة طويلة نسبيا، أصل نوع ما مثلا، تطوره واختفاؤه. إنهم يستطيعون التراجع من تاريخ إلى آخر، وصولا إلى لحظة البداية. إلا أن هذه البداية تفلت دائما من بين أيديهم…

* مصطلح آخر يستعمله العلم هو
مصطلح «بزوغ». هل يمكن اعتباره بمثابة مئزر؟
– نعم، إنها حيلة تُجنب المرء قول كلمة أصل، ربما خوفا من الإحالة على آدم وحواء…إلا أنه يتوجب على من يستعمل هذا المصطلح أن يتذكر وجود أسطورة البزوغ: أفروديت وهي تخرج من الموجة. أفروديت ولدت من البحر- كلمة « émergence» المتضمنة لكلمة mer أي بحر) هي إذن مفردة أسطورية، وبالتالي فهي ليست أكثر علمية من المصطلحات الأخرى. أعتقد أن ألفاظ «أصل، بداية، بزوغ» هي مصطلح واحد بالإمكان استعماله بحسب الطرق الثلاثة التي ذكرت بها قبل قليل: اعتيادية، وعلمية وأسطورية.

* من الممكن إذن وبدون أدنى خوف استعمال مصطلح «أصل» في العلم؟
– لست هيئة سلطة لأستطيع إملاء ما يجب وما لا يجب فعله [ يضحك ]. لكن خذوا لفظ «معجزة» الذي ينتمي حقا إلى الدائرة الدينية. يوجد استعمال لهذه الكلمة أو استعمالين علميين على نحو تام. في سبيل المثال استعمالها في التعبير «معجزة جان Jeans» التي تتعلق باحتمال بدء غليان ماء موضوع في الثلاجة. قام جان، وهو عالم من بداية القرن العشرين في الديناميكا الحرارية، بحساب هذا الاحتمال فوجده ضعيفا جدا…أو استعمالها في معجزة بوريل 2Borel ، احتمال بدء 10000 قرد، يضربون على آلة كاتبة، في تحرير الأوديسة…احتمال ضعيف جدا هنا أيضا، لكنه واقعي. من الملاحظ أن كلمة «معجزة» مستعملة على حد سواء بطريقة دينية وعلمية. لا ينبغي الخوف من الكلمات !

* ألا يرفض بعض العلماء القبول مع ذلك بوجود علبة سوداء؟
– كيف يمكنهم رفض ذلك؟ لا أحد يستطيع نفي جهلنا بالكيفية التي استنسخ بها الجزء الأول ذاته. ولا نفي وجود حاجز بلانك الذي يقر علم الفيزياء بكل بساطة أنه لا يعرف ما كان يوجد قبله…في اللحظة الراهنة على أية حال – دائما ما يقال في العلم «في اللحظة الراهنة».

* ما السبب في كون سؤال الأصل يبدو مبهرا إلى هذا الحد؟
– لأنه من المهم دائما مواجهة سؤال الميتافيزيقا القديم: «من أين أتينا؟». نعرف أن العلم يعرض اليوم أجوبة مناسبة بشكل مقبول: نتوفر على داروين ونظرية التطور بالنسبة للحياة، وعلى جيوفيزياء بالنسبة للأرض، وعلى الكوزمولوجيا بالنسبة للكون…إنه ما اسميته «الحكاية الكبيرة»..التي تصطدم مع ذلك، في الأصل، بالعلبة السوداء !

1) بحسب عالم البيولوجيا السوفياتي ألكسندر إفانوفيتش أوبارين (1894 -1980 ) فإن تركيب الجزيئات ما قبل الحيوية كان من الممكن أن يتحقق انطلاقا من التفاعلات بين جو الأرض البدائي والاشعاع الشمسي.
2) إميل بوريل عالم رياضيات فرنسي ( 1871 – 1956 ).

المصدر:
مجلة علوم ومستقبل Sciences et avenir . عدد خارج السلسلة. يناير وفبراير2017 .