الفيل والحمامة فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا

بقلم كيلي غروفيير
ترجمة: محمد الفشتكي

يقول كيلي غروفيير: قام الفنانان المكسيكيان فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا برسم بعضهما البعض لمدة خمسةٍ وعشرين عاماً حيث تعطينا أعمالهما هذه فكرةً عن علاقتهما.
قدَما ما يشبه وقفةً هزلية برؤيتهما جنباً إلى جنب في الصور الفوتوغرافية وذلك بسبب حجمه الكبير مقابل جسدها الصغير. عندما تزوجا أطلق والداها عليهما «الفيل والحمامة». لقد كان الأكبر سناً والفنان المشهور في رسم الجداريات والذي ساعد على إحياء تقليد اللوحات الجدارية لامبراطورية مايان القديمة حيث أعطى صوتاً مرئياً حيوياً للعمال المكسيكيين الأصليين الباحثين عن المساواة الاجتماعية بعد قرونٍ من الاضطهاد الاستعماري. هي كانت الأصغر سناً والحالمة بالأساطير التي نسجت وبشكلٍ سحريٍ لوحات الجمال الحاد والغامض من تأمل النفس المتبصر والألم الجسدي المزمن. معاً كانا اثنين من أهم فناني القرن العشرين.

لوحة الفنانين
إذا كنت تريد حقاً إدراك العاطفة والاستياء، الهيام والألم الذين حدّدوا التعقيد الشديد لحياة كلٍ من كاهلو وريفيرا عليك أن تتوقف عن القراءة وتبدأ النظر. كل ما تحتاج معرفته موجودٌ في الطريقة التي صوّر فيها كل منهما الآخر في أعماله. خذ مثلاً لوحة «فريدا ودييغو ريفيرا» عام 1931، اللوحة الذاتية المزدوجة التي رسمتها بعد عامين من زواجهما الأول عندما كان الزوجان يعيشان في منطقة خليج كاليفورنيا.
على الرغم من أن الشريط الموجود في منقار الحمامة التي تحوم في أعلى يمين اللوحة قد يعلن بسعادةٍ «هنا ترونا، أنا، فريدا كاهلو، مع زوجي العزيز دييغو ريفيرا»، فإنه بالكاد هذه صورة السعادة الزوجية البسيطة. بخطوطها المتقاطعة والنظرات الغير متزامنة والأيدي التي تنسل عن بعضها ببطء فإن اللوحة الزيتية تتذبذب بتوتراتٍ متقنة. فالعلاقة التي تصورها هي أي شيءٍ ما عدا العلاقة البسيطة أو المعنونة ببساطة. ما الذي يمكننا فهمه من الالتفاف الطفيف لرأس دييغوا بعيداً عن رأسها إلى الأبد، بينما تنحرف أعينه باتجاهها كإبرة البوصلة؟ ما الذي يمكننا استنتاجه من الميلان الغريب المتسائل لنظرتها الثابتة وكأنها في الفضاء الميت نحو مكانٍ ما إلى يسارنا والتي ترفض السير بموازاة نظرته أو مواجهة نظرتنا؟ كيف نقرأ التضارب الغريب لأنماط الملابس – بدلته الأوروبية وفستانها المكسيكي التقليدي؟ على الرغم من أن كاهلو قامت برسم هذا العمل فلماذا نجد دييغو يمسك بالفرش ولوح ألوان الرسم بينما تقبض هي على عقدةٍ قرب بطنها بيدٍ واحدة وتبدأ في إفلات يدها الأخرى؟

زواجٌ غير ملائم
تم تنفيذ اللوحة عندما كانت كاهلو ترافق دييغو في رحلةٍ طويلةٍ إلى سان فرانسيسكو، حيث تم تكليفه برسم جدارياتٍ لسوق سان فرانسيسكو للأوراق المالية ومدرسة كاليفورنيا للفنون الجميلة. تصور اللوحة كاهلو التي قامت بتبني اللباس المكسيكي لإبهار بطل العامل المكسيكي في لحظةٍ مهمةٍ من تطورها. قد تكون قبضتها قرب بطنها – أصابعها التي تعصر لفافةً من شال – إشارةً إلى ألم الرحم المزمن التي عانته خلال الأعوام الستة الماضية عندما مزّق مِمسك درابزين الحافلة التي كانت على متنها في مكسيكو سيتي جسدها تاركاً إياها في معاناةٍ متكررة. لكن الإيماءة هي أيضاً تنبؤٌ بالخسائر التي سوف تعانيها بسبب حالات الإجهاض التي أعقبت ذلك وعدم القدرة على الحمل حتى موعد الولادة. وكإنذارٍ تتناغم الإيماءة مع الأعين الشرودة للموضوعين الذين سوف ينخرطان في سلسلةٍ من العلاقات الغرامية خارج نظاق الزواج.
بعد عقدٍ من لوحة فريدا ودييغو ريفيرا سوف تعيد كاهلو النظر في موضوع علاقتهما الصاخبة في واحدةٍ من أكثر لوحاتها الذاتية المحيّرة – وهو النوع الذي سوف تصبح فيه فريدا رائدةً بشكلٍ قويٍ مثل رامبرانت وفان غوخ من قبلها. تم البدء باللوحة الذاتية تيهوانا 1943 (غالباً ما يشار لها بعنوان «دييغو في أفكاري») في عام 1940 خلال الفترة القصيرة ما بين الزواجين المتقلبين. تظهر اللوحة الفنانة مكسوةً بتخاريم لباسٍ مكسيكيٍ تقليدي ومحاطةً بشكلٍ سريالي بنسيجٍ شبكيٍ يبدو وكأنه يكسر الجزء الغير مرئي من العمل، كما لو أن الزجاج الأمامي لروحها قد ضُرب بحجرٍ وجودي.
وسط هذا التأثير هناك تمثالٌ نصفيٌ لـ دييغو مرسومٌ على جبهتها كعينٍ ثالثةٍ متقنة – فكرة متكررة في الفن الشعبي وترمز إلى الرؤية الداخلية. إن فكرة هجرة دييغو من الوجود المادي المهيب إلى جانبها في اللوحة الذاتية السابقة الأكثر تقليدية إلى جزءٍ لا يتجزأ من كيانها هي أمرٌ عميق. مع أن علاقتهما تحولت إلى علاقةٍ عاصفة فقد أصبحت ترى دييغو كالعدسة التي من خلالها تدرك الواقع – مركز إبداعها

.في لوحة ذاتية لاحقة بعنوان «دييغو وأنا» 1949 يعاد النظر في موضوع دييغو مدموغاً على جبين كاهلو والتي تم رسمها وسط شائعاتٍ بأنه سوف يهجرها قريباً لأجل نجمة صاعدةٍ في هوليود. إن مسارات الدموع التي تخط وجنتي كاهلو تستثمر الوجه داخل الوجه بأذىً شبيهٍ بالجرح – ندبةٌ في الذاكرة.

نظرة جسورة
على عكس كاهلو التي كان رسم وجه زوجها تمريناً كارتوجرافياً متكرراً مكّنها من رسم خريطة المناطق الغير مكتشفة لحبهما وفنهما، كان ريفيرا أقل تواتراً في تصوير المظهر الخارجي لـ كاهلو في أعماله. يُلاحظ الحب في عمله الحميم «تجلس عاريةً وذراعيها مرفوعين (فريدا كاهلو)» الذي قام به في العام الأول لزواجهما 1930. تجلس على حافة سريرهما لا تلبس سوى جواربها وحذائها ذو الكعب العالي وقلادة كبيرة، تبدو ضائعةً في التأمل لحظة وصول يدها إلى ما وراء رأسها لفك ربطة شعرها. قام ريفيرا بتجميدها في لحظةٍ تبدو للناظر سكينةً تامة، مرفقاها مرفوعان كجناحي فراشةٍ على وشك الطيران.
بعد تسعة أعوام ازداد ذلك الشعور بالهدوء إلى شيءٍ أكثر شدةً نوعاً ما مع قيام ريفيرا بعمله «لوحة فريدا كاهلو» 1939، حيث وصفتها المؤسسة التي تملكها وهي مجموعة متحف الفن في مقاطعة لوس أنجلس على أنها «لوحة المسند الحامل الوحيدة لزوجته». إن نظرة كاهلو الجسورة جارحةٌ بشكلٍ غير مريح بثباتها المنوم في مقابل سماءٍ ممزقةٍ تتحول إلى درجةٍ كبيرةٍ من اللون الأزرق على اليسار إلى الأخضر على اليمين.

استناداً إلى صورةٍ التقطت قبل ستة عشر عاماً من قبل مصورٍ كانت كاهلو على علاقةٍ معه يحدد رسم ريفيرا ملامح كاهلو في بؤرة التوترات بين الطاقات البدائية – الأرض والنار. تأطير رأسها المائل عبارة عن لفائفٌ من الشرائط تنتفخ بشكلٍ سريالي إلى شرايين قاذفة، بينما نجد أسفل ذقنها شنقاً غريباً من الجذور الملتوية المتشابكة. يصرفنا ذلك الصدام بين القوى الداخلية والخارجية – القلب والأشجار – عن العذوبة المفاجئة للتوقيع البسيط الذي أدرجه ريفيرا تحتها: «لفتاة عيني».