الكتابة بمقياس ريختر

علاء هاشم

ثمَّةَ فرادةٌ في تجربةِ الكتابةِ، تتخطّى حدودَ الوجودِ والمعنى الفردي للذات، فرادةٌ تتيه في ظلها ثنائياتٌ مثل المعقول واللامعقول، العقل والثورة، الأنا والآخر، التوازن والاختلال، الذاكرة والنسيان. وفي الوقت نفسه تبدو الكتابةُ كتشكيلٍ لوعيٍ مرتبطٍ بالكائن، من خلال دلالته الوجودية، وبالعالمِ كفضاءٍ للتأمل والبحث عن غوامضه والتباساته. لأنَّ سيرة الكتابة محاطة، دائماً، بعوامل الداخل والخارج، وكلما كانت الدواخلُ مشتعلةً بنزيفٍ من القلقِ، وبالسؤال الذي يمْنحُ إمكانياتٍ عديدة لانفلاتِ الكتابةِ على الحياة، تصبح أكثرَ قدرةً على اقتناصِ غيرِ المألوف والغرائبي، بالكلمة التي تنحتَ صوتَ الذاتِ والوجود.
في اللحظةِ الراهنة التي نعيشها وبكل ما تحمله من قسوة، لا يجدر بالكتابة إلا أن تكون صرخةَ احتجاجٍ تملأ سمعَ الكون، بكلِّ سمةِ التمرّد على الواقع ورتابته، أمَّا الكتابة الحياديةُ فتبقى مجردَ ادعاءٍ ينافي الوجدان، إن لم تكن خيانة للمعنى. وكلما ارتفعَ مستوى الاحتجاجِ في الكتابة نجت النفسُ من مأزقها الواقعي وقلقها الوجودي، فالكتابة الغاضبة قد تقودُ إلى معرفةٍ ناقصةٍ، أو إلى تدميرٍ كاملٍ، ولكن لا مناصَ من إشهارها في وجوه الآخرين، هؤلاء الذين لا يكترثون لصوتِ الانسانِ المعذَّب، ولا يدركون سبب صرخته، ولا مصدرَ شقائه.
يقول محي الدين بن عربي: «إنَّ للكلمةِ أثراً في نفسِ السامع، لهذا سميت كلمة في اللسان العربي، مُشتقة من الكَلْم وهو الجرح، وهو أثر في جسم المكلوم». فللكلمة تأثير وتمثيل لوجودنا في العالم وتجاربنا فيه، ورغم أنَّ هذا التمثيل لا يقتصر فقط على اللغة، ولكنَّ اللغةَ ذاتَها تمثيلٌ للعالم، وعبر تمثيلِ العالمِ نخلق مثيلاً للعالم، عالماً آخر. فكأننا لا نستطيع العيش في عالم وجدناه إن لم نُعِد خلقه من جديد، خروجاً على قواعدِ اللعبِ المقررة، وأن يتمركز تفكيرنا حول التجربة، حول اختبارِ الوجودِ ومعاناتنا معه، فمن شأنِ ذلك أن يضيّق المسافةَ بين الوجود والمعرفة، بالدرجة التي يسبغُ طابعاً وجودياً على المعرفة، بقدر ما يسبغُ طابعاً معرفياً على الوجود.
أما المعاناة هنا فهي ليست توجعنا من العالم أو آلامنا فيه، بل هي وجودنا في العالم واختبارنا له وتمرُّسنا به، والمعنى هنا وثيقُ الصلةِ باختبار الوجود؛ تكسّرٌ وحشيٌ للحياة، مشحونٌ بتوتر أقصى؛ إذ المعنى هو المعنى المضاف، وأيُّ معنى دون إضافة هو لا معنى، فالوجود يستهلك ويهترئ دون تجددٍ في المعنى، كما أنَّ الوجودَ السيِّئ هو الوجودُ بلا تمثيل، معاناةٌ بلا معنى، وهذا هو معنى أنَّنا لم نستطع تمثيل تجاربنا، رغم أنَّ الفشلَ هو فشلٌ جماعي، وكما يبدو جلياً فشلاً للتفكير، وفشلاً للتعبير. فعصرنا جديرٌ بكتابةٍ غاضبةٍ ومتعاليةٍ، لمواجهةِ بؤسِ العالمِ وانحطاطه وتزلزلُ ما يمكنها منه، كتابةٌ تتجرأ على وصفِ ما نحن فيه، تكونُ مغمسةً بآلامنا وأوجاعِنا، وتنفتحُ على نزيفِ الانسانِ واحتراقِه، كتابةٌ لا تساومُ ولا تهادنُ، إنَّها كتابةُ الحياةِ بمجازيةٍ عاليةٍ، قادرةٍ أن تحوّل الواقع إلى إشاراتٍ مثقلةٍ وممزوجةٍ ببلاغةِ الجسدِ المدمّى.
يقول رولان بارت عن الكتابة: «إنَّها تخلخلُ الكلام، وتهزُّ الأفرادَ والأشخاص، وتقوم بعملٍ نعجزُ عن تبيّن مصدره، فأنا أكتبُ مساهمةً في إحداثٍ شروخٍ في المنظومةِ الرمزيةِ لمجتمعنا، ولخلخلةِ تسلطِ الدلالاتِ والعمل على تغييرها»، يقول بارت ذلك من منطلقٍ يعتبرُ الكتابةَ وسيلةً لبناءِ متجدد ومغاير إزاء الثبات وسلطته، وإزاء السائد والبداهة، في مجتمعاتٍ مغلَّفةٍ بالحماقةِ المستديمة، مجتمعاتٍ تحملقُ في السّماء ببلادة، ولا يعنيها أن تكون مجتمعاتٍ إنسانية، بل هي مجرد ضحية للوهم والزيف والتضليل.