الكوت : طقس شاماني كوري

ترجمة بتصرف : نعيمة ايت همو

أول شيء يتبادر إلى أذهاننا اليوم عندما نفكر في كوريا، هو صورة ذلك البلد الرائد في المجال الاقتصادي، وكذا مجال التكنولوجيا والابتكار. وفي هذا الصدد، فقد تسرعنا في اعتقادنا بأن الأعمال الشامانية والطقوس الدينية القديمة كانت حصرا على العصور الغابرة. ولكن إذا أخذنا الدراسات الإحصائية الحديثة بعين الاعتبار، وكذا الملاحظة الفعلية للطقوس الشامانية، سنجد أنها لاتزال حاضرة أكثر من أي وقت مضى، وأنّ التقاليد لم تمت بل على العكس تماما، فالتقاليد الشامانية تضم أعدادا متزايدة من الممارسين والشامان. وتظل الشامانية حقيقة ثقافية ودينية بالنسبة للكوريين خاصة في أوقات الشّدة والأزمات الشّخصية أو العائلية.
شهدت الشامانية تاريخا متقلبا، إذ لم يحالفها الحظ في الانتشار عكس باقي الديانات الأخرى القادمة من الخارج، والتي سادت في المجتمع الكوري، وبذلك ظلت الشامانية مهمشة، لاسيما خلال فترة حكم غوريو وجوسون. وقد أضحت الديانتان البوذية والشامانية تمثلان الإيديولوجيات الأولى للمجتمع الكوري، وأصبحت الشامانية – الديانة السائدة سابقا – عبادة الطبقات الدنيا في المجتمع خاصة النساء.
وتعرف الشامانية انطلاقا من عنصريين أساسيين: الشامانات وطقوسهم، فبفضلهما تمكنت الممارسات الشامانية من الاستمرار والصمود في وجه تقلبات الزمن، منذ تأسيس كوريا إلى يومنا هذا، رغم المعارضات والاضطهاد الذي تتعرض له.
ما يميز الشامان هو خبرته مع الآلهة والدور الوسيط الذي يؤديه بين العالمَين، ومساهمته في تماسك باقي العناصر الشامانية. معظم الشامان في كوريا نساء، وتنعت الشامان الأنثى بأسماء عدة منها مُدانغ وهو الاسم الأكثر انتشارا، وفي الحالات النادرة التي يكون فيها الشامان ذكرا يسمى هذا الأخير باكسو)).
وطبقا للتقاليد، تصنف المُدانغ إلى صنفين وذلك حسب الطريقة التي اكتسبن بها هذه الصفة، بحيث أن هناك المُدانغ اللواتي امتلكهن الإله ويعرفن بالكانغشينمو (من جهة، ثم المُدانغ اللواتي اكتسبن صفتهن بالوراثة ويسمين بالشيسمو ).
إن جوهر هوية الشامانات هو دور الوسيط الذي يؤدونه بين عالمي الأرواح والإنس. ويتحد هذان العالمان عبر القيام بمجموعة من الطقوس أهمها ما يعرف بالكوت. أثناء ممارسة هذه الطقوس، يدخل الشامان في حالة من الهذيان والسمو الروحاني، مصحوبة بالرقص والموسيقى فتسيطر عليه الآلهة والأرواح. ويمتلك الشامانات قدرات أخرى مثل الشفاء والتنبؤ بالمستقبل والحفاظ على الثقافة الكورية التقليدية، وهم صنف من أصناف الكهنة.
الكوت هو عماد الشامانية الكورية، وهو طقس يقوم به الشامان للتواصل مع العالم الآخر وعقد لقاءات حسب احتياجات زبائنه. توجد عدة طقوس مختلفة ومعقدة نوعا ما، ولكن الكوت هو أكثرهم أهمية، ومن أجل القيام به يجب تقديم الكحول وقرابين عبارة عن مواد غذائية، وأزهار ورقية وشموع إضافة إلى أنواع أخرى من الزينة لجذب انتباه الآلهة. ويؤدي الشامانات رقصات نمطية ويعزفون على الآلات التقليدية الكورية، وتصاحبها أغان وصلوات ونبوءات، وهو طقس معقد جدا قد يدوم لأيام عدة. تدخل المُدانغ في نوبة هذيان وهي ترقص وتسمع الموسيقى لدعوة الآلهة والأرواح، وهكذا يمكنها تسلية الآلهة، والتدخل قبل الأرواح الشريرة التي تجلب الحظ السيئ للبشر، وإرسال الأموات إلى العالم الآخر وطلب المساعدة من الأرواح لعلاج المرضى أو جلب السعادة والازدهار للقرية أو للعائلات التي طلبت المساعدة.
ويوجد أربعة أنواع رئيسة من الكوت: الجيسو لجلب الحظ لشخص ما أو لقبيلة معينة؛ البيونغ أو الهوانجا مهمته علاج المرضى؛ الأكو أو الجينوجي مخصص للموتى؛ الجن أو النيريم وهو موجه لإبراز قدرات الشامان.
ويهدف الكوت أساسا إلى إرساء الانسجام وذلك بخلق وحدة بين السماء والأرض والإنسان. أثناء الهذيان، يصل الشامان عالمنا بالعالم » الآخر «، وذلك بمزج التجارب المضادة للفرح والحزن، للمعاناة والرفاهية، للدموع والضحك. كيم كوم هوا هي واحدة من أشهر المدانغ بكوريا، وقد أدرجتها الحكومة في قائمة الكنوز البشرية الحية والتراث الثقافي غير المادي. وقد ألفت كتابا عن تجاربها الشامانية تؤكد فيه على أن: « المدانغ قادرة على توحيد هذا العالم المنفصل، وكذا تضميد الجراح وإصلاح ما تم إفساده.»
ومن أجل فهم المعنى العميق للشامانية الكورية، يجب فهم رسالة وبنية الكوت من خلال الملاحظة، إذ لا توجد أية مراجع دينية مذهبية لها، ويتبع ممارسو الكوت الخطوات الخمس التالية:

أولا، تطهير المكان الذي سيحتضن الطقس لكي لا يشكل أي خطورة على المشاركين. ويستعمل الشامان الماء والبخور لإبعاد الأرواح الشريرة والتعاسة. ثم يتذرع إلى الآلهة والأرواح، ويدعوها للحضور والمشاركة. وبعد ذلك يتلو الشخص الذي يترأس مراسم الحفل الصلوات، في حين يرقص الشامان ويغني بطريقة هيستيرية لكي يصل إلى السمو الروحاني، ما دامت فعالية عمله رهينة بسيطرة الآلهة والأرواح عليه. فالرقصات والهذيان يسهلان التواصل مع عالم الأرواح، ويستعمل الشامان لغة الغونغسو أي الأرواح. ويشرع الموسيقيون والشامانات في اللعب والرقص من أجل تسلية الآلهة والمشاركين. يتخذ الشامان صفة الإله ليتفاعل مع المشاركين، يلعب ويبدي استياءه، يعرب عن رغبته في المصالحة، ويطرح الأسئلة، يضحك تارة ويبكي تارة. وينشأ علاقة مباشرة بين الآلهة والناس، ثم تقدم مأدبة طعام على شرفهم.
وينتهي الطقس بتوديع الأموات. ويغادر المشاركون فيحرق الشامان الزينة والورق والأثواب. وقبل اختتام الكوت، يقدم الطعام للروح القاصر والضالة والمتخلى عنها. ودائما ما يترك الطعام في نهاية الطقس من أجل الجابغوي أي الأرواح التائهة. ويضم الكوت الرقص والغناء والموسيقى، وهي إرث الفنون الشعبية التقليدية.
وقد ساهم الشامانات في الحفاظ على مجموعة من العبارات الفنية التي كانت قاب قوسين أو أدنى من الاختفاء في ظل التغيرات الجذرية التي عرفها المجتمع الكوري. ويمتلك المُدانغ ملُكة الإبداع الفني العالي، فقد نجحن في تكييف التقاليد مع متطلبات زبائنهن ومع تغيرات محيطهن. ظهرت معظم الطقوس الشامانية في القرى على شكل أنشطة مجتمعية، ولكن اليوم ونظرا لسلسلة التحولات الكبيرة التي تعرفها القرى الكورية، لم يعد بالإمكان الحفاظ على التقاليد. وأصبح المُدانغ يولين أهمية كبرى للجانب المسرحي و الترفيهي في حفلاتهن وذلك لغايات ثقافية وفنية وروحية ودينية.
لطالما كان الكوت حدثا عائليا وقرويا يمنح النساء حرية التعبير والإحساس بتحكمهن في معتقداتهن، وبالرغم من صعوبة التنبؤ بمصير الشامانية في كوريا المعاصرة، إلا أن التقاليد لا تزال قائمة وتكتسب قدرة التأقلم وتصنع هوية خاصة بها في المجتمع الكوري المعاصر.