الماء عندما تَهُبُّ السماء لإنقاذ الأرض

اياد عطية الخالدي

من بلد يواجه الجفاف ويزحف التصحُّر على أراضيه الزراعية، إلى بلد مهدَّد بالفيضان. ومن حكومة كانت حتى قبل عدة أشهر تعدّ الخطط لمواجهة الجفاف بفعل انخفاض مناسيب نهري دجلة والفرات وتعمل على تخفيف آثاره المتوقعة على الزراعة والثروة الحيوانية والطاقة والبيئة وتتهيَّأ لاستقبال النازحين من مناطق الجفاف إلى حكومة تضع الخطط لمواجهة مخاطر فيضان محتمل بعد موجة أمطار وسيول غير مسبوقة منذ أكثر من ثلاثين عاماً.

كلمة الفصل
وإذا كان البلدان الجاران تركيا وإيران قد نجحا في حبس المياه من الوصول إلى العراق على الأرض فإن السماء تكفَّلت بالحلول وأغدقت على العراق خيراً وفيراً.
ففي إطار مخطط أدى إلى تفاقم شح المياه في العراق وخسارة أكثر من نصف أراضيه الزراعية، عملت إيران وتركيا على بناء المزيد من السدود والخزانات وتحويل الأنهر التي تغذي العراق عن مسارها الطبيعي.
وبحسب تقرير «الإدارة المتكاملة لمخاطر الجفاف – إطار عام للعراق» عام 2010، الذي أجراه مكتب اليونسكو في العراق، يعتمد العراق على الجارتين تركيا وإيران في إمداداته المائية وعملت هاتان الدولتان على حجز المياه وتغيير اتجاهها (مشروع الكاب، تغيير اتجاه نهر الكارون، السدَّة الحدودية في هور الحويزة، إغلاق نهر الكرخة».
ما أدى إلى انخفاض معدل التصريف إلى نهر الفرات من 30.26 مليار م3 للمدة 1932 – 1972 إلى 23.59 م3 للمدة 1973 – 1989 وإلى 16.90 م3 للمدة 1990 – 2014.
وكذا الحال لنهر دجلة فقد انخفض معدل التصريف من 49.20 مليار م3 للمدة 1933-1972 وإلى 32.60 م3 للمدة 1990- 2014.

بين حكومتين
في حين كان رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي يقدم حزمة من المغريات الاقتصادية لتركيا التي تمر بأزمة مالية خلال زيارة التقى فيها الرئيس أردوغان في منتصف آب من العام الفائت، بهدف تأجيل ملء سد اليسو الذي فاقم أزمة الجفاف وخفض مناسيب نهر دجلة إلى أدنى مستوى لها، عمل خلفه عادل عبد المهدي على وضع خطط لمواجهة مخاطر فيضان محتمل، وقد شكّل عبد المهدي خلية لمواجهة الفيضان والسيول، تهدف إلى درء مخاطرها المحدقة بالبلاد وإدارة الفائض منها لرفع خزين العراق من المياه.
وأعطى عبد المهدي بحسب بيان لمكتبه الأسبوع الفائت الأولوية في عمل الخلية لحماية أرواح المواطنين ثم الحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة»، و»اتخاذ إجراءات مستمرة لتقليل الأضرار المادية».

خلية الأزمة
وحتى مع إطلالة هذا الشتاء كان الخبراء الذين يشكّلون خلية الأزمة التي يرأسها وزير الموارد المائية «جمال العادلي» لمواجهة احتمالات الفيضان، يجتمعون مع وزيرهم السابق حسن الجنابي لوضع الخطط لمواجهة الجفاف ويوجّهون الناس بأهمية الحفاظ على أي قطرة من المياه، وقد أطلقوا حزمة من القرارات بينها إلغاء زراعة الشلب وتقليص حجم المساحات الزراعية للموسم الشتوي. ويكشف مدير كبير في دائرة السدود والخزانات وهي إحدى أهم الدوائر المعنية بإدارة أزمتي الجفاف والفيضان رفض ذكر اسمه،عن أن جل خطط الوزارة كانت منصبَّة على توفير مياه الشرب للمواطنين في الصيف المقبل. ولهذا يبدو السؤال عن الاستعدادات التي اتَّخذتها وزارة الموارد المائية لموسم السيول والفيضان الذي ضرب المنطقة والبلاد غير منطقي، فكل الاجراءات المتخذة حالياً هي إجراءات طوارئ تساعد على درء مخاطر الفيضان عن أراضي العراق بوجود أنهار ومنخفضات غدت صحراء بفعل سنوات العطش والجفاف. فهي ذات الخلية التي اتَّخذت قبل عدة أشهر قرارات تمثلت بتقليص مساحة الأراضي المزروعة إلى أدنى حدّ منذ عقود. وحظرت زراعة الشلب والذرة والدخن والسمسم وزهرة الشمس والقطن التي تحتاج إلى الكثير من المياه. لكن ما إن هطلت الأمطار بغزارة تنبئ بموسم أمطار حتى عاش المزارعون العراقيون ومربو الحيوانات أفضل أيامهم، فقد شرعوا باستغلال كل شبر لزراعته، وكسروا القيود المفروضة على زراعة الشلب والسمسم والقطن.
ومع هطول المزيد من الأمطار اكتست الأراضي المتصحِّرة بفعل الجفاف باللون الأخضر، وعادت الصحارى تدر الخير على مربي الحيوانات والناس الذين يبحثون عن الكمأ الذي امتلأت به أسواق العراق بسعر مغرٍ قبل أن يحول «داعش» ومن ثم السيول والفيضانات دون الوصول إليه وحصاد خيراته. السيول والفيضانات ظلَّت تلاحق الفلاحين، فقد غمرت المياه أراضي زراعية واسعة في عدد من المحافظات كبدتهم خسائر كبيرة وسلبت فرحتهم بموسم زراعي ناجح.
برغم ذلك فإن وزارة الزراعة تؤكد أن الخسائر ليست كبيرة بالقياس إلى اتساع المساحة المزروعة في البلاد.
وبحسب موقع الوزارة «إن وزارة الزراعة نفذت كامل الخطة الزراعية المقررة للموسم الحالي، وبلغت المساحات المزروعة لمحصولي الحنطة والشعير أكثر من ( 12 ) مليون دونم».
وعدَّت الوزارة «هذا الموسم موسماً متميزاً في وفرة الإنتاج الزراعي».

خزان كبير
تؤكد دائرة السدود والخزانات التابعة لوزارة الموارد المائية لـ «بين نهرين» «أن السدود والخزانات العراقية الأربعة الرئيسة (الموصل، دربندخان، ديإلى وسامراء) قد امتلأت، لكن بحيرة الثرثار التي تمثّل أكبر خزان مائي في العراق يسع لنحو 81 مليار متر مكعب من المياه ما زالت قادرة على استيعاب المياه المتدفقة إلى العراق خلال موسم ذوبان الثلوج في تركيا، فقد بلغ حجم المياه في البحيرة الان نحو 40 مليار متر مكعب ما يمثل نصف قدراتها الخزنية.

مدن الأنهار
وفي بلاد أقيمت مدنها على ضفاف الانهار، تشكّل المخاوف من احتمالات أن يقذف دجلة بمياهه التي ترتفع مناسيبها بشكل متصاعد هاجسا لدى السكان، ويؤكد مراقبون لاسيما في مناطق الجنوب حيث تنخفض الاراضي أن سكان الاحياء القريبة من الأنهار هجروا منازلهم إلى مناطق أكثر أمناً، فمشاهد الفيضانات التي تناقلتها الفضائيات عن السيول والامطار التي ضربت إيران واقتلعت مباني وأزالت قرى وجسوراً وشوارع من الخارطة شكلت صدمة أرعبت أجيالاً لا يمثل الفيضان بالنسبة لها سوى ذكرى لعاصمة تعرضت إلى الفيضان وغرقت أحياؤها في جانب الرصافة منتصف القرن الماضي. وبينما كان سكان القرى في محافظات واسط وذي قار والبصرة يبتكرون وسائل مختلفة للمقاومة، بعد أن انخفضت مناسيب نهري دجلة والفرات وصار السكان يسيرون على الأقدام لعبور النهرين. وعمل أهالي قرى عديدة في واسط وذي قار على حفر الآبار بطرق بدائية وهو آخر ما يمكن أن يفعلوه كي يتجنبوا اللحاق بأقرانهم ممن هجروا قراهم إلى مناطق ذات مصدر أفضل للمياه، حيث غدا الحصول على مياه للشرب مخاضاً عسيراً، لكن سرعان ما حملت لهم الغيوم بشارة من السماء إذ باتت الأراضي القاحلة على موعد مع أمطار غزيرة عدت الأغزر منذ أكثر من ثلاثين عاما، أعادت الحياة إلى أراضيهم التي اكتست بالعشب الاخضر والنباتات الطبيعية التي مثل الكثير منها مصدراً تقليدياً لغذائهم قبل أن تضعهم مرة أخرى أمام امتحان جديد وتفرض عليهم غزارة الامطار والسيول المتدفقة من إيران التي جرفت مزارعهم واقتلعت بيوتهم وقتلت حيواناتهم، وأرغمتهم على هجرة جديدة نحو ملاذات آمنة.
دفعت الحكومة والمنظمات الانسانية إلى بناء مخيمات مؤقتة لحمايتهم، بانتظار تعويضات قد تأتي أو لا تأتي من الحكومة، لكنَّها مفارقة كبرى أن يجتمع الجفاف والفيضان على إلحاق الأذى بأولئك الناس الذين ارتبطت حياتهم أكثر من سواهم بالطبيعة. وتقول وزارة الهجرة في بيان لها الاسبوع الفائت إنها اتخذت عدة إجراءات حيال نزوح سكان عدة أقضية ونواحٍ في ميسان لا سيما في ناحية المشرح إلى منطقة سيد احمد الرفاعي جراء الفيضانات، وقدمت لهم المساعدات الممكنة.
وعدت محافظة ميسان الأكثر تضررا بعد موجة سيول وأمطار حولت أجزاء واسعة من المحافظة إلى مستنقعات كبيرة وأغرقت عشرات القرى، قبل أن يمتد تهديدها إلى حقول النفط في هذه المحافظة التي لطالما شكت من العطش والجفاف وتحولت أراضيها الغارقة بالمياه اليوم إلى صحراء قاحلة.