المحاربُ الأجعَد روديارد كبلينغ في مديح الأعداد

ترجمة وتقديم : جمال جمعة

نشرت قصيدة الكاتب والشاعر البريطاني روديارد كبلينغ المحارب الأجعد Fuzzy-Wuzzy عام 1892 ضمن مجموعته الشعرية «أغاني غرفة الثكنة»، ويصف فيها تقدير الجندي البريطاني العادي لشجاعة المحاربين البجاويين الذين أيدوا الحركة المهدية وقاتلوا الجيش البريطاني في السودان وأرتيريا.
استعمل مصطلح (فوزي ووزي) من قبل جنود الاستعمار البريطاني في القرن التاسع عشر لوصف أتباع الحركة المهدية الذين تميزوا بشعرهم الأجعد، وكانت التسمية تطلق في الأصل على الحيوانات المنزلية الأليفة التي يتلهى بها الأطفال في بريطانيا.

يمجد كبلينغ، الذي شارك في تلك المعارك بوصفه مراسلاً حربياً في الجيش البريطاني، شجاعة المحاربين في السودان وعلى الأخص قدرتهم على تحطيم «المربع الإنجليزي»، التشكيل العسكري البريطاني الفريد الذي لم يستطع الروس تحطيمه في معارك القرم ولا الفرنسيون في معركة «واترلو» رغم الفارق الهائل بين تسليح تلك الجيوش المتطور وجحافل «البجا» التي كانت متسلحة بالرماح والسيوف لا غير.
كتبت القصيدة بالعامية الإنجليزية السائدة في القرن التاسع عشر ولذا فهي عصية على الترجمة إلى حد ما، إذ استعمل كبلينغ لغة الجنود الشباب اليومية، فقام ببتر الكلمات أو استبدالها بصيغ املائية خاطئة جعلت من الصعب الإحاطة بمناخها دون توضيح بعضها في الهوامش.
ضمّ ت. س. إليوت هذه القصيدة الى المختارات الشعرية التي أصدرها للشاعر كبلينغ عام 1941 وصدّرها بمقدمة تقديرية جاء فيها أن «من بين جميع الشعراء الذين كتبوا الشعر العظيم، والقلة القليلة فقط منهم يمكنني القول عنهم إنهم شعراء عظام، وإذا لم أكن مخطئاً فأن موقع كبلينغ من هذه الطبقة ليس عالياً فقط، بل فريد».
نال كبلينغ جائزة نوبل للأدب عام 1907، فكان أول بريطاني ينالها وأصغر من يحصل عليها سناً.
حاربنا رجالاً كثيرين عبر البحار
بعضهم كان شجاعاً والبعض الآخر لا:
البشتون والزولو والبورميين؛
لكنّ الأجعد كان أرقى من الجميع.
لم ننل منه بمقدار نصف بنس:
كان يربض بين الشجيرات ثم يعرقب خيولنا
مزّق حراسنا عند «سَواكِن»،
ولعب بقواتنا لعب القط بالبانجو.
لذا فهذه لك، أيها الأجعد، وأنت في بيتك في السودان؛
قد تكون مجرد وثنيّ جاهل، لكنك محارب من الطراز الأول؛
وها نحن نقدم لك شهادتك، فإن أردتها ممهورة
سنأتي ونشاطرك المرح في الوقت الذي تشاء.

أخذنا فرصتنا بين مرتفعات «خيبر»،
البوير خبطونا ببساطة على مسافة ميل،
والبورميون منحونا قشعريرة «إيراوادي»،
وكتيبة الزولو سحقتنا بإبداع:
لكن كل ما ذقناه منهم
كان زنجبيلا قياساً بما جعلنا الأجعد نتجرّع؛
حافظنا على مجدنا، تقول الجرائد،
لكن رجلاً لرجل فالأجعد جعلنا نستغيث.
إذن فهذه الكلمات لك، أيها الأجعد، ولكل سيدة وطفل:
أوامرنا كانت تقضي بكسرك، وبالطبع ذهبنا وفعلنا ذلك.
مزقناكم ببنادق المارتيني، وذلك بالكاد كان منصفاً
لكن فوق كل التوقعات فإنك، أيها الأجعد، كسرتَ المربّع.

لا صحف لديه للتمجيد
ولم ينل أوسمةً ولا مكافآت،
فلنشهد إذن على البراعة التي أظهر
في استعمال سيفه الطويل ذي المقبضين:
حين يثب داخلاً وخارجاً بين الأحراش
بترس كحافر الفرس ورمحه المجراف،
يوم سعيد مع الأجعد في الميدان
سينوء به تومي السليم على مدى عام
إذن فهذه لك أيها الأجعد، لصحبك الذين لم يعودوا أحياء
لو لم نكن خسرنا بعض الأصحاب لكنا شاركناك الرثاء.
لكن الأخذ والعطاء سنة الحياة، وسندعو الصفقةَ مُنصِفة،
فإن كنتَ فقدت أكثر منا، فأنتَ قد هَشَمتَ المربع!
عجّلَ بالهجوم عند تعالي الدخان حين بدأنا الحملة
وقبل أن نتبين الأمر كان يقطف رؤوسنا
كان رملاً ساخناً وزنجيبلاً وهو حيٌّ
ومخادعاً على العموم إذا هو ميّت.
هو الرفيق، هو الحبيب، هو الأثير!
الكاوتشوك، الأحمق المسرف في الشراب
إن الشيء الوحيد الذي لا يكترث
إنه كانت كتيبة بريطانية أو صفّاً من الأشجار!
فإذن هذه لك، أيها الأجعد، وأنت في بيتك في السودان؛
قد تكون مجرد وثنيّ جاهل، لكنك محارب من الطراز الأول؛
وهذه لك، أيها الأجعد، بشعر رأسك الشبيه بكومة قش…
أنت العظيم الأسود الفقير، لأنك كسرتَ المربّع الإنجليزي!

هوامش القصيدة

البشتون: قوم يقطنون في الشمال الغربي من الهند. الزولو: قبائل إفريقية اشتهرت بخصائصها القتالية الباسلة. بورما: إحدى دول شرق آسيا وتقع على امتداد خليج البنغال، تعرف حالياً باسم (ميانمار).
سواكن: ميناء سوداني يقع على البحر الأحمر، كان مركز القيادة الرئيسي لعمليات القوات البريطانية والمصرية السودان ضد حركة الدراويش (الثورة المهديّة) التي اندلعت بقيادة عثمان دقنة في عام 1884.
البانجو: آلة موسيقية وترية، ظهر أول أشكالها المبسطة مع الأفارقة الذي تم جلبهم إلى أمريكا وقاموا بتطويرها من آلات إفريقية مشابهة. ترتبط الآلة بشكل عام بموسيقى البلوز الأمريكية قبل أن يشاع استخدامها في القرن التاسع عشر.
مرتفعات خيبر: جبال بين باكستان وأفغانستان يقع بينها ممر جبلي يدعى (ممر خيبر) كان ممراً للعديد من الجيوش القادمة من الشمال الغربي لشبه القارة الهندية كالإغريق اليونان والإنجليز وغيرهم.
البوير: جماعة من المستوطنين المسيحيين الهولنديين الذين توغلوا في إفريقيا واشتهروا ببسالتهم في القتال، وبفضل مهارتهم المتميزة في الرماية دحروا القوات البريطانية بصورة موجعة في موقعة «ماجوبا» عام 1881.
إيراوادي: أهم أنهار بورما وأكبرها، تفشت الملاريا بالقوات البريطانية التي عسكرت بالقرب منه أثناء الحملة البورمية.
كتيبة الزولو: في عام 1879 محقت قوة الزولو القسم الأعظم تقريباً من الرتل البريطاني عند تلة «إيساندلوانا» في جنوب إفريقيا.
بنادق المارتيني: كانت بنادق «مارتيني ـ هنري» تستعمل بشكل عام من قبل الجيش البريطاني من سنة 1871 الى 1888.
كسرت المربع: في عام 1884 قرب «تاماي»، اخترقت القوات السودانية مربع اللواء الإنجليزي الأول (تشكيل عسكري) وغنمت بنادقهم.
تومي: جندي بريطاني.