المحرقة

محمد خضير

تنويه:
شاعت رائحة الاحتراق في الهواء أسبوعاً. انتهى بحثي عن وثيقة الميلاد بكارثة. أدعوها كارثة لأني استمتعت قبل هذا اليوم العاصف بنبش الأعماق وارتياد الأقبية التي حُفِظت فيها أوراق القضاء والنفوس. كان أشهر قبوٍ استولت عليه «عصبة الفراشة» يضمّ أرشيف الوثائق والتحقيقات في مديرية الأمن، ثم سارت النار في الملفّات والسجلات المخزونة منذ سنين. انتظرنا سقوط الأصنام المنصوبة على السطح، لكننا فوجئنا بهشيم الأكداس المكدسة في الأعماق يتذرّى عالياً مع عفونته ورطوبته وآفاته الورقية. كانت العاصفة تزحف تحت الجدران بأسرع من تسلّقها طبقات الحصون الشاهقة.
بدأ بحثي في الأسبوع الذي سبق سقوط الأقفال، ربيع ٢٠٠٣. كدتُ أنهي مرحلة من التيه العائلي الجماعي، عندما نزلت القوات الدولية المتحالفة ميناء أم قصر، واجتازت طلائعُها المحمولة الطرقَ الخارجية باتجاه الشمال. صكيكٌ بعيد حملته الرياح الى آذان الخارجين من الأعماق الى سطح الحرية. ماج المستنقع الساكن تحت ضغط الهبّة المسلّحة الزاحفة، وتطايرت مزق الأوراق المحترقة في الهواء في أثرها. ولا أعرف كيف قاومت الفراشةُ سَورات العاصفة.

كان انضمامي إلى «عصبة الفراشة» مصادفة محضة، لا أتذكر تاريخها، ولعله كان صباح يوم بارد من شباط ١٩٩١. كنا بضعة أفراد مقرورين، حُصِرنا تباعاً في ورشة بالمسفن المهجور على جزيرة «الدوكيارد». كان عملنا الحقيقي لِحام الأجزاء المتضررة من الناقلات الحديدية الراسية منذ انتهاء حرب الخليج الأولى. تناثرت آلات اللحام بين أجزاء المحرّكات المفككة، وقِطع البليت المنتزعة من سفن قديمة، ولفّات الحبال الحديدية، ومقاود القيادة البحرية وبوصلاتها، وأشياء أخرى صغيرة وكبيرة. وكنا نتقاذف البراغي لضجرنا، فترتطم بجدران المخزن وتدوّي بفرقعة مكتومة. آنذاك اقترح العتّال البدين المعروف بيننا بـ»الهندر» أن نبدأ بتأليف قاموس شفهيّ لا تتعدى مفرداته بضع كلمات محرّفة تبادلناها في اجتماعنا التأسيسي هذا، أطلقنا عليه قاموس الفراشة. قال الهندر: «شابوعا سبارتكوس». وعنى بهذا: لنبحث مسرعين عن فيلم سبارتكوس. تكلم بهذا بعد مناقشة الفيلم الذي شاهده في دار سينما صيفية عندما كان عمره خمسة عشر عاماً، وقال: «صالوبا عبيدا» قاصداً بذلك مشهد العبيد المصلوبين في نهاية الفيلم بعد فشل ثورتهم.
صاح أحدنا، ويدعى «الفصّاخ»، لنحولهِ وصلابة أصابعه الطويلة التي تشبه الكلابات المستعملة في تفسيخ المكائن العاطلة، مؤيداً فكرة الغزو على مبنى التلفزيون: «فاتحا فاتحا». وعنى حسب قاموس العصبة: إني أملك مفتاح الاستوديو، فقد كان قريباً لعائلة مشغّلي قنوات التلفزيون، ورائداً مزمناً لأفلام السينما الصيفية. وتعالت الأصوات بلغة العتّالين والمفككين: «فراشا شابوقا. هاكو. هاكو» وغيرها من الهتافات التي لا معنى لها، إلا أن تُترجم بـ: سراعاً سراعاً يا أبناء الفراشة!
وجدنا عجلة التويوتا التي غنمناها من شركة لمقاولات تعبيد الطرق تقف خارج المسفن، ووثبنا الى حوضها الخلفي، بينما طار بنا الفصّاخ الى مبنى التلفزيون هاتفاً أن نلحق بسبارتكوس قبل صلبه ثانية في روما. لمحنا في قلب العشّار فِرَقاً مجهولة تفرّغ المتاجر والبنايات الحكومية من محتوياتها، قبل خروجنا الى الطريق المقفرة، المؤدية الى مبنى التلفزيون. وكان الأفق الذي نشقّ نفقَه الرطب أرمدَ مكفهراً، مختنقاً بالكلمات الخُرس في أفواهنا.
تعسّر فتح الباب الحديدي للمبنى الهامد، فدفرَه العتّال السمين بقدمه، ودوّى الصوت في الفراغ الذي توقعنا جثثَ العبيد موزعة في أرجائه. لم يتأخر الفصّاخ في الهبوط بنا الى مخزن الأشرطة المرتبة حسب عصور الجمهورية المتوالية كعرضٍ صامت. قطعنا ممرَّ أفلام الفترة الملكية مسرعين، ومررنا باقتحام قصر الرحاب ومقتل العائلة المالكة، بعدئذ خطفتْ أمام أنظارنا عناوين المحاولة الفاشلة لاغتيال عبد الكريم قاسم، ومذابح الشوارع والقصور، وتنصيب الضبّاط المغامرين ثم إعدامهم، المسيرات والكرنفالات الجماهيرية، الهجوم والفرار، الكبرياء الممرّغة بالرماد؛ لكننا عجزنا عن العثور على فلمنا الشهير.
عنّف رئيسُ مجموعتنا، الملفَّع بكوفية رقطاء، دليلَنا العتّال، وسأله عن بغيتنا بلغة صريحة: «أين سبارتكوس أيها التيس؟». أجاب الهندر بلغة الفراشة: «توماسا سردابا». خزره الرئيس بعينين محتقنتين من أثر اللحام، وحثّه: «امضِ بنا الى هذا السرداب كما تزعم».
اتجهنا الى مخزن آخر خلف البناية، وانتزعنا باباً متوارياً بين أعشاب الحديقة. لفّتنا الظلمة ووخامة الأفلام المحفوظة، وتسللنا واحداً بعد الآخر الى قاع السرداب. قدحَ الرئيس قدّاحته فأضاء نورٌ ضعيف بكرات الأشرطة المحفوظة داخل أوعيتها المعدنية على الرفوف المنزوية حتى السقف. كان السقف واطئاً، وزاد الانحشار بين الأشرطة من خيبتنا في العثور على فيلمنا الأثير. تناول الرئيس أولَ حافظة ورماها باتجاه العتّال، ثم توالى الآخرون في انتزاع الأشرطة ونثرها على الأرض، فيما انهمكوا بمسح وجوههم من غبار الأشرطة الأسود. لا أتذكر الشخص الذي زعق بوجوهنا: «فرحا فرحا». وهو يقصد بلغة العصبة: يا للحزن. يا للحزن. كل شيء بات قديماً ومظلماً كأرواحنا.
نظر بعضنا لوجوه البعض في نور القدّاحة، مندهشين لعبثنا بآلاف الأقدام من الحياة المصوَّرة. قفزنا كالقرود على أشلاء الأجساد والوجوه المحبوسة منذ دهور في سردابها، ورمى الرئيس بقداحته فاشتعلت الأشرطة وتعالى لهبها في وجوهنا المسودّة من زيت المكائن وغبار الأشرطة السللوزي. ختم الفصّاخ النحيل حفلتنا بصراخه: «تاريخا فشخا. جمالا حرقا». وعنى بصراخه: وداعا أيها التاريخ الجميل!».
بعد اثنتي عشرة سنة التأم شملُ عصبة الفراشة مرة أخرى على مشارف الغزو المرتقب في آذار ٢٠٠٣، حين التقيت بالعنصرين الفعّالين، الفصّاخ النحيل والعتّال السمين، في قاعة محكمة الأحوال الشخصية. كانا في أفضل هيئة، وبدَوَا كاثنين من موظفي المحكمة. أخبراني أنّ رئيس العصبة قد أعدِم بعد ساعات من غزوتنا على مخازن التلفزيون، أمّا هما فقد أكملا دراستهما في القانون، وأصبحت لغتهما غاية في الدقة والفصاحة. لكنهما لمّا أبصراني استعادا غريزة المناجِذ وطبيعة الحفر في الأعماق، وأبدَيا استعداداً لتزويدي بوثيقة ميلاد حفيدي المولود في المستشفى، خلال فوضى النزوح ونقل السجلات من مكان الى آخر.
خاطبتُهما بلغة الفراشة: «فرحا. شبقا»، فتجاوبا حالاً وسارا بي الى كاتب المحكمة الموكل بالولادات والوفيات. أخبرني الكاتب بنقل السجلات الى قبو المحكمة الكبير، ونصحني بصرف النظر عن محاولة البحث: «فوضى لا حدود لها. هذا ما ستجده أسفل السلالم. انتظرْ حتى تنجلي الموقعة».
خِلته يتكلم لغة الاعماق بدل لغة السطوح، وإنه يعني النزول درجة درجة الى قعر الفوضى المرتقبة. اتفقتُ مع صديقيّ باللقاء مساء، عسى ان يلتحق بنا آباء وأجداد آخرون، ينقّبون عن ولادات أبنائهم بين السجلات المركومة في قبو المحكمة. لكن «رعدة الفرائص» كما يشرحها القاموس العام قد تسللت الى قاموس الفراشة الذي وضعناه لبثّ الشجاعة في أوصال عصبتنا، فقد نال الرعب من أفراد الفراشة القدامى، ولم يوافِني أحد منهم، بينما انقلبت الكفّة وهبّت الجموع الخائفة لإحراق الأرشيف الحكومي المحروز في الأقبية والسراديب.
وجدت نفسي بين أشخاص مجهولين أغضبَهم كتمان الأسرار، ورعب الأسوار والزنازين، فقضوا ليلة السقوط الكبير في تفتيش الزوايا والأعماق، ونثرِها حريقاً هائلاً وسَمَ سماءَ العشار بلهب الميلاد غير المعلن بتأريخ أو رحِم. انفتحت الاعماق كرحِمٍ كبيرة تلفظ الحُمَم والكلمات. تلفتُّ حولي، هازئاً من الولادات المجهولة، وبحثتُ عمّن يخاطبني بلغة الفراشة: «شبقا. شبقا. سرعا سرعا».