المسرح الفرنسي في العراق

قحطان جاسم جواد

منذ أواخر القرن التاسع عشر عرف المسرح في العراق بعض الأعمال المسرحية الفرنسية، من خلال المدارس الدينية التي يديرها القساوسة المسيحيون في الموصل، بعد مجيئهم اليه من سوريا ولبنان، ضمن حملة التبشير الدينية. وكانوا يقومون بترجمة الاعمال الفرنسية وتأديتها في المدارس كما الحال في المدرسة الاكليريكية، التي اسسها الاباء الدومنيكان. منهم(الخوري هرمز ترسو) والاب( حنا حبش الموصلي). وفي عام1893 ترجم(نعوم فتح الله السحار) مسرحية (مدام دي بينوار)وهو الاسم المستعار للكاتب(لوي دي بينوار). وقدمت على المسارح الدينية وكنائس الموصل. ثم قدم السحارعملا مسرحيا اخر بعنوان (الامير الاسير).
بعدها توالت الاعمال في بغداد في العقد الثاني للقرن العشرين، وبدأها( المحفل اللاتيني) الذي قدم مسرحية (الاسيران الصغيران) ومسرحية(الاثلون) وهما من النصوص الفرنسية المترجمة للعربية بعد الاحتلال البريطاني للعراق وطرد الاتراك، تشكلت الجمعيات والفرق المسرحية الاهلية، وقدمت عملا فرنسيا بعنوان (شهداء الوفاء) لفكتورهيجو في سينما رويال عام1923.
كما قدمت الجمعية الأدبية مسرحية (السيد) للفرنسي(كوروني) .وقدمت المدرسة الجعفرية الأهلية مسرحية(شهداء الوطنية) لفكتوريان ساردو.كما قدمت فرق اخرى هذه المسرحية في اماكن متعددة من بغداد. لكن الملاحظ على هذه الاعمال –كما يذكر الفنان (سامي عبدالحميد) في كتابه (المسرح العراقي في مئة عام) انها اعمال بسيطة لم تتوفر على مخرج في العمل بل كان المترجم هو الذي يقدم العمل. وكان من بين الممثلين الذين اعتمدهم في هذه المسرحيات كل من (ابراهيم جلال واكرم جبران ونايف الشبلي وعبدالله العزاوي وعبدالستار البصام).ثم تأسست الفرقة الشعبية للتمثيل عام1947 كما يشيرالدكتور (وسام مهدي كاظم)في كتابه «المسرح الفرنسي في العراق» الصادر مؤخرا، وكان اول اعمالها نص فرنسي بعنوان (شهداء الوطنية) لفكتوريان ساردو.ومثل فيها(عبدالكريم هادي الحميد وعبدالقادر توفيق ولي وعبدالجبار توفيق ولي وابراهيم جلال وجعفر السعدي وعبدالله العزاوي وخليل شوقي). وحين تأسست فرقة المسرح الحديث عام 1952 من قبل( ابراهيم جلال ويوسف العاني وعبدالرحمن بهجت ويعقوب الامين). قدمت اول اعمالها (المثري النبيل) لمولير، وقدمت في الهواء الطلق على حدائق جمعية النداء الاجتماعي في الاعظمية، وهي جمعية ثقافية اجتماعية اسسها بعض الاكاديميين- حسب الفنان سامي عبدالحميد-.كما قدمت الفرقة مسرحية(طبيب رغما عنه) لمولير ايضا. كذلك قدم الفنان(جعفر السعدي)عدة اعمال من المسرح الفرنسي منها مسرحية(البخيل) لمولير،ومسرحية (الملاح البائس)لكوكتو. وفي الموصل عام 1957 قدم الشاعران الراحلان(شاذل طاقة ويوسف الصائغ) مسرحية البخيل لمولير. وحين عاد المخرج(جاسم العبودي)من دراسته للمسرح من الخارج، قدم مسرحية(سمعدانات الاسقف) المقتبسة.
عن البؤساء لفيكتورهيجو. وقدمها العبودي مع طلبة كلية الطب .وعندما اصبح الفنان(سامي عبدالحميد) رئيسا لقسم المسرح في معهد الفنون الجميلة عام 1965- كما يقول دكتور وسام مهدي- انتج القسم عدة اعمال من المسرح الفرنسي من بينها مسرحيتي (النسر له رأسان)لجان كوكتو،و(انتيغونا)لجان انوي). شارك في تمثيلها كل من الفنانين(فخري العقيدي واحسان سامي وفوزية عارف وفوزية الشندي وسليمة خضير وروميو يوسف وصادق علي شاهين وطارق الحمداني وناهدة الرماح). وصمم ديكورها الفنان (كاظم حيدر).كذلك قدم في المعهد المخرج(جعفرعلي)مسرحية المثري النبيل لمولير.وقدم الكاتب(احمد فياض المفرجي) مسرحية الشريط الاخير لبيكت، وهي من مسرح اللامعقول. ثم عاد الفنان سامي عبد الحميد بعد تأسيسه (مجموعة الجمعية البغدادية) ليقدم مسرحية فرنسية بعنوان(في انتظار الموت) مأخوذة عن مسرحية(رقابة عليا) لجان جينيه. كما قدم عبدالحميد عدة اعمال فرنسية اخرى ترجمها للعربية (جبرا ابراهيم جبرا )منها(في انتظار غودو) لصاموئيل بيكت. واعتبرها النقاد محاولة جريئة من الفنان (سامي عبدالحميد) لانه قدم عملا مهما على مسرح تجريبي صغير. كما اعاد(سامي)بعد عدة سنوات اخراج مسرحية(في انتظار غودو) بديكور ورؤية جديدة.
وفي عام 1973 بعد تأسيس فرقة الطليعة اخرج الفنان(بهنام وديع)مسرحيتين فرنسيتين هما(هوراس)لكورني و(طبيب رغما عنه)لمولير. واخرج الفنان(عبدالله جواد)مسرحية(مريض الوهم) وكذلك مسرحية (طرطوف) و(غيرة بابوية )لمولير.و قدم المخرج(محسن العزاوي) مسرحية الكاتب الفرنسي اللبناني(جورج شحاذة) الموسومة(مهاجر بريسبان).اما المخرج د(عقيل مهدي)فقدم (جان دارك) لجان انوي. وقبلها قدم لنفس الكاتب مسرحية (المتوحشة) و(حلاق اشبيلية )،و(فاوست)للكاتب فاليري.كما قدمت في السنوات الاخيرة اعمالا اخرى عن المسرح الفرنسي.
اخيرا يقول الباحث الدكتور(وسام مهدي)في كتابه المسرح الفرنسي في العراق،ان هذا المسرح لم يحظ بأهمية كبيرة كما النصوص المسرحية المأخوذة عن المسرح الانكليزي.واقتصرت التجارب على محاولات قلة من المخرجين الاكاديميين في كلية الفنون لاسيما في السنوات الاخيرة. بأستثناء محاولات بسيطة وقليلة خارج الكلية. كما التزم المخرجون بمضامين النصوص الفرنسية عامة،رغم انهم غادروا البيئة والمكان الاصليين للعمل.