المفكر المتمرد علي شريعتي

حسين علاوي

قدّم شريعتي رؤية فكرية سديدة ومتقنة من خلال التمرد على الفكر السائد.. إذ تجلّى دوره الفكري في عملية الكشف عن المفاهيم البكر.. وما تفرزه من تقسيمات وتفكيكات.. فكانت حركت الفكرية تسير في الاتجاه المعاكس لِما يقال بان الدين الدنيوي ليس ديناً.. فكان يعتقد أنَّ الدين الذي لا جدوى منه ما قبل الموت.. لن يكون مجدياً بعد الموت.. فبات ينادي بأننا لا نريد الدين ولا نبحث عنه, إلّا إذا كان ينفعنا في أمور دنيانا.. وبهذه الجرأة والوضوح, اختزل أفقاً رحباً من الأفكار الدينية والتنويرية.. وكان التمرد عند شريعتي ثقافة وفكرا وفلسفة, يجيب على كل الأسئلة, ويكافح على كل الساحات.. وينشط بين كل شرائح المجتمع.. وبالرغم من أنَّ شريعتي لم يشهد قيام الثورة الإسلامية في إيران.. إلّا أنَّ أفكاره ومحاضراته وكتاباته الثورية كانت وما زالت ذا أثر كبير في حماس الجماهير.. ولبعض تصرفات رجال الدين البعيدة عن جوهر الإسلام.. فكانت شعبيته وما زالت كبيرة داخل إيران وخارجها..

وفكره نقد حاد ضد الترف الديني والفكري.. ومحاولة للخروج من سيطرة المقدّس،إلى فضاء التحليل وإعمال العقل.. الذي يعمل ضد الخَدَر المجتمعي.. فكانت أفكاره تنشط في أوساط الشباب في المدارس والكليات،وبين العمال والفلاحين، وبين النخب المثقفة من كتّاب وأدباء وفنانين.. وقد انقسم رجال الدين بين مؤيِّد له أو مُعارض.. وخاصة من الذين وجدوا فيه مُعارضاً ثورياً لنظام الشاه وللمؤسسة الدينية التقليدية.
فالتمرد عند شريعتي خلق قيما جديدة،ورفض القيم البالية.. التي تحد من عقل الإنسان.. وكان يؤكد تمرد الأنبياء على أقوامهم وطواغيتهم.. ويستعير كلام عالِم التاريخ توينبي الذي يصف عددا من الأنبياء الذين تمكنوا من كبح جماح أهوائهم وغرائزهم ولذّاتهم الشخصية واجتهاداتهم الفردية،واستعاضوا عنها بعقيدتهم وإيمانهم بالمجتمع.. وبذلك تمكنوا من أن يوجِدوا تاريخاً خاصاً حرّروا به الإنسان.. ورفع مكانته الوجودية.. ومواجهته للظلم والجمود.. بعد أن لاحظ شريعتي أنَّ الطرق مسدودة بوجه الإنسان.. (أنظر: الإنسان والتاريخ،ص60،دار الأمير)

تمرد البدوي:
ويتساءل شريعتي: أرأيتم أو سمعتم بدوياً ناشئاً من صلب روح مجتمع وقبيلة،أن يتمرد على تلك القبيلة ويُعلن عصيانه؟.. أسمعتم بأنَّ أحد أفراد القبيلة البدوية يتمرد على شكل وطبيعة المعيشة في القبيلة،وتقاليدها وشكل إدارتها وحالة إنتاجها؟.. والجواب كلا.. ولا يمكنه أن يفعل ذلك؛ لأنه نشأ من ذلك المجتمع أعمى.. (الإنسان والتاريخ،ص95،دار الأمير)
ويريد شريعتي بهذا التمرد،أن يغير الإنسان مجتمعه،وبساطة أفكاره، ونمط إنتاجه.. بطرق وقوانين عقلية وعلمية وموضوعية.. وبذلك تزداد قدرته وإرادته.. وتتحقق الرسالة والإرادة الإلهية بالخلافة على الأرض..
وبعد أن يحلل تمرد كامو وعذاب سارتر.. يتساءل: ما هو العذاب الذي دفعهم للتمرد؟.. هل هو عذاب معيشي ولديهم كل الإمكانيات الضرورية للعيش.. أم عذاب ميتافيزيقي.. ويصف الأخير بأنه معنى الحياة والإنسان والوجود.. إلّا أنَّ المعنى لدى الفيلسوف والأديب كان على أساس الشعور بالعدالة.. فعذاب الإنسان منذ بداية الخليقة ولحدّ الآن كان على نوعين، عذاب مادي لتوفير العدالة وحُسن السلوك.. وعذاب فلسفي وميتافيزيقي،من أجل تقصّي الحقائق.. لأنَّ الحياة لم تكن عبثاً.. إذا عضدنا العذاب بالإيمان.. وسخرنا وجود الروح بالإرادة والمسؤولية تجاه أنفسنا.. ولا نؤدي بالسؤال أن يصل إلى الفراغ.. لأنَّ الإنسان الملتزم لا يحسّ بالفراغ،ولا يمكنه أن يصبح أسير السجون الأربعة.. (المصدر نفسه،ص98)

ماسنيون وشريعتي:
تُعد سنوات فرنسا من أكثر السنوات خصباً في حياة شريعتي القصيرة العريضة.. درس شريعتي علم الاجتماع بالسوربون.. وتأثر بالحراك الفكري والثقافي الذي ساد في فرنسا في الخمسينات والستينات.. وتأثر بمجموعة من المفكرين والأدباء والنخب من الفلاسفة الفرنسيين.. ومن أساتذته لوي ماسينيون وجاك بيرك.. وقد تأثر بهم تأثيراً كبيراً.. وهناك مراسلات بين علي شريعتي وماسينيون تدل على العلاقة الحميمة الأبوية والعلمية بين الاثنين.. وقد ساعد شريعتي لوي ماسينيون في ترجمة بعض النصوص التي تتعلق بالمتمردين من الصحابة على الترف الديني.. وواقع التخلف والتشرذم فيه.. فبدلاً من أن يقوم بترجمة (العدم والوجود) لسارتر، ويشتهر كفيلسوف (وجودي)، ترجم سلمان الفارسي لماسينيون.. وبدلاً من أن يكتب عن أقطاب الغرب، كتب عن أبي ذر الغفاري وترجمهُ للفرنسية..
وبعد عودته إلى إيران.. حوّل المجتمع كله إلى جامعة يلقي فيها دروسه ومحاضراته.. واستطاع أن يجعل من قضايا الإسلام قضايا يومية.. فهيأ أرضية مناسبة تماماً للثورة الفكرية.. (أنظر: العودة إلى الذات،ص13).

الدين التبريري والدين التخديري:
كان شريعتي متمرّداً على التخلف والتحنّط العقلي.. وقد تحولت حسينية الإرشاد التي يلقي فيها محاضراته، إلى منبر فكري لكل شاب باحث عن التحرر من الاستبداد السياسي والرتابة الفكرية والدينية.. وكان يقول بحرقة: كلّ مصائبنا حدثت من أنّ جيلنا القديم ابتلي بالتحجر.. وجيلنا الجديد بالعبث والخواء.. وإن الدين التبريري والدين التخديري والدين السلفي والدين الذي لا يهتم بأمور الناس، هو الذي حكم المجتمعات البشرية عبر التاريخ.. إذ لا بدّ أن نصدّق الذين قالوا أنّ الدين هو وليد المخاوف والإتجار.. وإنه تخديري،استنبطوا ذلك من التاريخ.. غير أنّهم لم يعرفوا الدين حقّ معرفته لأنهم لم يكونوا متخصّصين بمعرفة الدين، بل كان حقل تخصّصهم التاريخ.. وكلّ من يراجع التاريخ يرى هذه الحقيقة متجلّية في الأديان جميعاً، السماوية أو الأرضية..

أثر البروتستانتية في فكر شريعتي:
يعتقد عبد الكريم سروش أن شريعتي إضافة إلى تأثره بالماركسية ورموز الفكر الفرنسي والعالمي.. استفادَ وتأثر بالحركة البروتستانتية.. فانطلق ينظّم فكرته مع الأفكار البروتستانتية.. إحساساً منه بضرورة تطبيقها في العالم الإسلامي.. فهي تقدم رؤية للدين كمذهب فعال،وله حضور ملموس.. ولهذا يصح لنا أن نسمي رؤية شريعتي بحركة التنوير الديني.. (مشروع علي شريعتي في لغته البروتستانتية،مجلة نصوص معاصرة،ص35)
وقد كانت الحركة البروتستانتية في المسيحية تدعو إلى مقولة الدين للدنيا.. وكان شاغل شريعتي للإصلاح الديني هو خلق هذه الفكرة في الواقع الديني.. وقد كان كل شيء عند شريعتي ينبض بها،سواء في فلسفة التاريخ أو الأنثروبولوجيا أو الرؤية الإسلامية.. برغم أن لهذه الحركة معاني سلبية وإيجابية في الوقت ذاته.. إلّا أنها دعت إلى الدين الدنيوي.. فأدى ذلك إلى خدمة الحضارة الغربية.
كان فكر الدكتور شريعتي،فكراً نهضوياً ثورياً فلسفياً دينياً.. والأهمّ من كلّ ذلك إنسانياً، فالهمّ للإنسان والغاية الإنسانية كانت هي المشترك في كلّ منظومة فكر شريعتي.. فهو لم يكن يشبه أحداً من المفكّرين القدماء والجدد.. فهو كان يدعو إلى أنسنة وأسلمة الفكر الديني، لكن برؤية مختلفة تماماً عن الرؤية الفقهائية..