المكان والذاكرة في روايات علاء مشذوب

د. سليم جوهر

تتشكل الهوية عبر سرديات كبرى، وهذه السرديات لا تستكمل قدرتها التأثيرية دون حدث، او هي لن «تحقق حضورها وتدون وقائعها في الممارسة التاريخية دون المكان، فيكون بشكل ما سجلا للتاريخ الإنساني»(لؤي عباس، المكان العراقي، ص9)، فالمكان لدى علاء مشذوب الذاكرة الحية للإنسان، فهو «قصة مكان يبني خفايا حكاياته التي لا تنتهي، يُعطره بسرده ويُغمسه بوصفه…..، وحده المكان من يبقى خالدا، يحفظ ذكرياته»(باب الخان، ص13)، «فالمكان يعمل على احتواء الزمان مكثفا لتبدو العلاقة بين المكان الزمان علاقة الوتر بالنغم» (لؤي عباس حمزة، المكان العراقي، ص11).
ان المكان لدى علاء يجعل من التاريخ معاصرا على قول كروشيه، حيث تستعاد الذاكرة المضمرة، فان تكتب عنه يعني ان تستذكره، ليتحول الماضي في تحوله الى روح جمعية عبر عمليات تراكمية، وفي اعادة صناعة الذاكرة كما يفعل في نصوصه، يعيد لنا التوازن المفقود من خلال تحيين (في الحين) بجعل المكان معاصرا في الروي.
لذا فهو يسهب في وصف المكان في اعماله، ففي اول فصل من روايته باب الخان يخصص (15) صفحة في وصف الفسحة التي تقع فيها اغلب احداث الرواية، فكل «هذه التفاصيل للمكان ترسم شخصيات من البقالين والعطارين والقصابين والسادة والعوام والشقاوات والمسالمين والخائفين واصحاب المطاعم والمقاهي وتلاميذ المدارس وطلبة الثانويات والجامعات»(باب الخان، ص22 ) فيمنح للمكان نفسه ليعيش فيه، وتعيش شخوصه ليولد لنا حياة أخرى بمعان جديدة كما في حمام اليهودي او في تنقلات آدم سامي – مور، بل وحتى في رواية (انتهازيون… ولكن) حينما كان المكان ملوثا هو الذي جعل من القصة كلها ملوثة. فطهارة المكان لديه تعطي لقصصه كحمام اليهودي وجمهورية باب الخان، طهر الحياة وجماليتها.
علاء يربط بين المكان والذاكرة؛ ويفرق بين التاريخ والذاكرة. فالمكان لديه هو «المكين الذي استقر فيه الإنسان وبدأ في أول مرة يؤثثه بمنحوتاته، بدأ يدرك الأشياء»(علاء مشذوب، الجسد صورة … سرد)، «فبين المكان والذاكرة وشيجة فكل منهما يقيم في الآخر»(لؤي عباي، المكان العراقي، ص13)، فلدى علاء الرواية عن المكان لا تعني عملية استرجاع لحدث او شخوص او حكايات قديمة، بل هي إعادة صياغة واستحضار صورة عبر الذاكرة، وجعل الذاكرة في المكان حية احياء الاموات من الذاكرة، فصورة المكان» هي موضع تمظهر التشابه الذي يوحد الانسان بالرب» (علاء، الجسد صورة … سرد، ص16).
ان الصورة المكانية اصبحت تتحكم في كل انطولوجيا الشخصيات لدى علاء، فهي حاضرة لتكشف عن الذاكرة المضمرة في المكان والمنسية عبر التراكم المادي والتطوري في المكان، وتوالي الاحداث المتداخلة والمتراكبة. كي يحولها الى حاضر يكشف عن هذا النسيان والى مادة للتفكر والمعرفة» (جاك لوغوفن، التاريخ والذاكرة، ص10)، كما يحاول الروائي ان يثير انواعا عديدة من الأسئلة في روايته المكانية
1 – ان يؤشر للعلاقة بين التاريخ المعاش في المكان، والذاكرة.
2 – يعطي المكان للتاريخ استمراريته.
3 – تفعيل الحوار بين الماضي والحاضر من خلال ابراز تحولاته.
هذه الاسئلة تعيد تركيب وجود الانسان في المكان، و«محاولته إدراك علاقته بما يحيطه، لاكتشاف إمكانيات لإنشاء أنماط متنوعة من الامكنة المختلف تعبر عن فهمه للوجود وعلاقته ببيئته ومجتمعه»(جماليات المكان، كريم رشيد ص33). وهذا لا يتم من دون الذاكرة وعلاقتها مع المكان. والذاكرة تشتمل على عمليتين متمايزتين هما
1 – الإدراك، إدراك الأشياء اللحظي والآني، تحيين هذه الأشياء في الحاضر
2 – الاستعادة للمدرك في وقت لاحق لغرض تحيينه، اي إعادة أفق اللحظة الماضية في أفق اللحظة الحاضرة، في عمليات التذكر.
فيرتبط في الذاكرة الماضي بالحاضر في عملية انتقال في حيز ما، وعندما يكون هذا الحيز المكان في شكله الحاضر فهو يستدعي شكله السابق، ويستدعي الزمان الماضي معه والحدث لتحيينه في الزمن الحاضر والمكان الحاضر المتغيرين في تشكيل الذاكرة الفردية والجمعية.
ما يحاول قوله الروائي مشذوب هو ان «الذاكرة متأصلة في طبيعة الأشياء، ومنها المكان، فتتوارث العادات الجماعية، في رواياته، حمام اليهودي، جمهورية باب الخان وتطور العادات الفردية، في رواياته المعنونة (بسامي مور جزئين)، يمكن رؤيتها كمظاهر مختلفة لنفس القضية الرئيسة، التي يصبح فيها الماضي حاضرا على نحو ما» (روبرت شيلدريك، استحضار الماضي، مجدي محمد عبد الرحمن، ص46)، وتدنيس المكان يحولهم الى مدنسين (انتهازيون ولكن).