الملاذ الثقافي فاعل اجتماعي بناء 2-3

ناجح المعموري

ما دام المثقف لا يختلف عن الثقافة حسب مفاهيم بورديو، فإن ـــ المثقف ــــ يلعب دوراً جوهرياً في البناء الاجتماعي، كذلك يكون حاضراً فاعلاً في تحريك الملاذ الثقافي الذي انتجه البناء الاجتماعي والجماعات وتعاملت معه باعتباره ذاكرة حيّة تمثلها عبر تاريخ طويل، حتى تصير موروثاً في لحظات تاريخية معينة، ينتجها جدل أو صراع بين جماعة وأخرى .
لذا أعتقد بأن المثقف يتغذى على الثقافة التي هي مجموع ما انتجته الجماعات أو البنى الاجتماعية، لأن الثقافة تنطوي ــــ أيضاً ــــ على القيم والأفكار والتي تشكل بمجموعها تكتلاً للفكر حسب مفهوم الانثربولوجي الذي يدمج الرموز، ويتعامل معها بوصفها من العناصر ـــ الرموز ــــ المكونة للعلم والفن والدين والطقوس، وتتمتع بتأثير كبير وجوهري. ودورها فاعل ومؤثر، لأنها نتاج ذاكرة لا تختلف عن الثقافة، يتعامل معها المثقف مثل تعامله مع الثقافة، لأنهما يتشاركان معاً بخصائص متشابهة .
يتسع مفهوم الثقافة في الدراسات الثقافية لتحوز «غير الذي ذكرناه» الفنون الجميلة، والأدب، والبحث . أي مواد المنهج التعليمي للدراسات الانسانية، كما تضم مجال الثقافة الشعبية ذي الحدود الفضفاضة حدّ الغموض «مزيج مما كان يطلق عليه الفولكلور ومن الفن البروليتاري، بالإضافة الى الرياضة» على الرغم من وجود بعض الفوارق بين الثقافة الرفيعة والثقافة الشعبية [آدم كوبر / الثقافة ، التفسير الانثربولوجي / ت : تراجي منجي / عالم المعرفة 349 / 2008 /ص 248].
تنوعات ثقافة بورديو الغزيرة واضحة وبيّنة وهذا ما ساعده على الاكتمال وتأسيس منهج خاص به بمجال علم الاجتماع وأشار د. سمير خليل الى أن بورديو كوّن فلسفته الخاصة بعلم الاجتماع، متعلّماً من ماركس / دوركاليم / فيبر / وباشلار وسارتر في الفلسفة وكان متأثراً للغاية بشتراوس في مجال الانثربولوجيا وهذه المفاصل الثلاثة، لعبت في تكوين ورسم ملامح منهجه السوسيولوجي وبرز احد أهم علماء الاجتماع الحديث وترك بصمات فاعلة وأسس مدرسته الخاصة.
ضرورة توظيف علم الانثربولوجيا في فهم الثقافة الشعبية والتعامل معها مجاورة للثقافة الرفيعة التي اهتم بها علم الاجتماع وجعلها مماثلة للمثقف بالدور التشاركي في صياغة الملاذ. لذا ذهبت الدراسات الانثربولوجية الى التعامل مع الثقافة الشعبية بوصفها مانحة للأمل للإنسان، لا بل أفضله في المقاومة للظروف الاجتماعية، كما قال آدم كونر. وهنا يحصل التلاقي بين الثقافتين بدور يغني الملاذ الثقافي.
لم يشر بيير بورديو الى وجود نوع من العلاقة بين البنى الاجتماعية، كالتشارك معاً في الوظائف العامة او ببعض منها، بل ذهب للتعامل معها والتماثل تعني الملاذ الثقافي. واذا كان تنوع البنى الاجتماعية محدوداً، فأن كل بنية اجتماعية / او طبقة مكونة من جماعات متنوعة، تبرز الفوارق فيما بينها، لكنها تتميز بثقافات متعددة ويجب الاعتراف بـأن التعددية الثقافية ليست حركة اجتماعية مترابطة كما قال ادم كوبر، لكن غياب هذه الصفة لا يعني تقويض العلاقة الثنائية بينهما.
المثير للسؤال هو ان بورديو الذي انتج مصطلح «الرأسمال الرمزي» وصاغ مفهومه وصار متداولاً بقوة في الدراسات الثقافية وعلم الاجتماع، لكن فك الاشتباك بينه وبين الملاذ الثقافي أمر مستحيل، لانهما متشكلان من تنوعات ثقافية ويزودان الانسان بطاقة ثقافية. كما ان الرأسمال الرمزي تراكم ثقافي، ويكون ذخيرة للجماعة تعبر عنه باعتزاز واحترام وتدافع عنه بكل السبل والآليات، كذلك الملاذ الثقافي .
ان كل رأسمال، مهما كانت الصورة التي يتخذها، يمارس عنفاً رمزياً بمجرد ان يعترف به، اي ان يتجاهل في حقيقته كرأسمال ويفرض كسيادة تستدعي الاعتراف، ليس الرأسمال الرمزي الا طريقة اخرى للدلالة على ما اسماه ماكس فيبر «الكاريسم» لو ان هذا العالم الذي كان سجين منطق النماذج الواقعية، وادراك اكثر من غيره ان سوسيولوجيا الديانة، فصل من فصول سوسيولوجيا السلطة، لو انه لم يجعل من « الكاريسم « شكلاً خاصاً من اشكال السلطة، عوض ان يرى فيه بعداً من ابعاد كل سلطة، اي اسماً اخر للمشروعية، ونتيجة للاعتراف والتجاهل والاعتقاد ( وهي اشياء مترادفات ) الذي يتحول للأشخاص الذين يمارسون السلطة نوعاً من المجد [كتاب بورديو / الرمز والسلطة /ص71].
الدور الذي يؤديه الرأسمال، وأعني به العنف الرمزي معروف ومألوف لان الحضور الرمزي لا يمكن تجاهله، لأنه يزاول دوراً واضحاً وله تميز خاص، يستدعي الاعلان عنه، والتأشير للفعل الذي يؤديه كرأسمال، اطلق عليه ماكس فيبر «الكاريسم» وهذا مصطلح يطلق منذ زمن قديم ــ وقبل دراسة الرأسمال الرمزي ــ بوصفه انموذجاً للفرد الفاعل مجتمعياً وله خصائص بطولية، مثلما هو مكون من عناصر خاصة وفريدة، واعني بها مقدسة وهذه الصفة هي التي تعطيه حضوراً فريداً في المجتمع. ما يمكن الاشارة في الرأسمال والملاذ الثقافي، هو ان الرأسمال متجاور مع السلطة، والملاذ ساكن في الجماعات ويكون بعضاً حيوياً من وقائعها. لكن الرأسمال له سمة لا حضور لها في الملاذ وهو ــ الدين ــ والذي اطلقنا عليه المقدس وما ينتجه من رنوز. و«الكريسم» له عناصر اجتماعية، وسياسية، ودينية، تضفي عليه نوعاً من الخصوصية والشرعية. «والكريسم» هو الشخصية غير العادية، لها هالتها الخاصة، يؤسس القائد الكريسمي سلطته على قوة اقتناعه. وعلى الرعاية وعلى قدرته على تجميع الجماهير وتحريكها وتقوم اطاعة مثل هؤلاء القادة على عوامل انفعالية لابد من اثارتها وحمايتها والسيطرة عليها [معجم العلوم الانسانية ص 837]
يمكن التعامل مع الرأسمال الرمزي باعتباره نوعاً من الملاذ الثقافي ولا أعتقد بوجود تغايرات بينهما، حتى ممارسة السلطة ليست بعيدة عن الملاذ الثقافي، وكلاهما يشتركان بآلية، متنوعة في حضورهما وسط الحياة الاجتماعية
الرأسمال الرمزي مخزون طاقة يساعد على توفير الحماية، مثل الملاذ، ووظف بورديو الرأسمال بوصفه تعبيراً عن الموارد التي يستخدمها الفرد، بهدف الحصول على موقع في المجتمع [معجم العلوم الاجتماعية، ص438].
ما اعنيه بالسلطة هو العناصر الاخضاعية والقوة والممارسة ضد الفرد والجماعة، حتى ممارستها للثقافة، آلية اخضاع تمارسها السلطة .