الملاذ الثقافي فاعل اجتماعي بناء 3-3

ناجح المعموري

« تطرق بورديو إلى مفهوم « الهابيتوس» فعرّفة على انه نسق من الاستعدادات المستمرة والقابلة للتحويل والنقل، بين مستعدة للاشتغال، ومنظمة لممارسات وتمثيلات، فالملاذ الثقافي في دلالته وصيغته النهائية عند بيير بورديو، دليل على قوى الاصل، في الوسط الاجتماعي، وهي دعوة إلى التقريب بين الحتمية الاجتماعية. من جهة والفردانية من جهة أخرى. لقد اراد بورديو من خلال صياغة هذا المفهوم ان يتجاوز ذلك التعارض العميق بين الموضوعية والذاتية الذي يمثل عقبة في سبيل تطور علم الاجتماع وانطلاقه لآفاق اوسع، ويمثل الملاذ الثقافي مفهوماً حاكماً في المشروع النظري لبيير بورديو وقد ظهر في اعماله المبكرة وقدم في كتاباته المختلفة تعريفات لا حصر لها وصياغات متنوعة لهذا المفهوم تعكس عمق تحليلاته وخصوبة تصوراته النظرية [د. خالد سهر / نقلاً عن د. سمير خليل / دليل المصطلحات الدراسات الثقافية والنقد الثقافي / ص 282/283]
الدافع المباشر لاقتراح بورديو لمصطلح «الهابيتوس» هو وجود تعارض عميق بين الموضوعية والذاتية. ويمثل هذا الاعتراض عقبة تعرقل تطور علم الاجتماع وانطلاقه لآفاق اوسع. فالنزعة الموضوعية تفترض ان الواقع الاجتماعي يتكون من مجموعة العلاقات والقوى التي تفرض نفسها على الفاعلين، ولا تلتفت بحال إلى ارادة هؤلاء الفاعلين ووعيهم واستناداً إلى ذلك ينبغي على علم الاجتماع ان يقتفي أثر دور كايم في ادراك الظواهر الاجتماعية (…..) والتركيز على النظم الموضوعية التي تحدد السلوك الافراد واستجاباتهم، وعلى النقيض من ذلك تأخذ النزعة الذاتية من هذه الاستجابات اساساً لها، وليس الواقع الاجتماعي الا العدد الكلي من التفسيرات المتناهية للأحداث حيث يتفاعل الافراد وفق المعاني المتفقين عليها [د. سمير خليل / فضاءات النقد الثقافي / دار البصائر / بيروت وبغداد / 2015/ ص 148/ــ149]
حافظ بورديو على دور الفرد / النزعة الذاتية في الوجود، لان الموجود / الأنا / الذات لها حضور قوي، وتشكل بمجموعها الواقع الاجتماعي المتكون من الأنوات والذوات الكلية. واكد بورديو على ان التعارض بين الموضوعية والذاتية، هو امر مصطنع ومشوه. وسبب ذلك وجود خيط دقيق وعميق اجتماعياً بين الموضوعي والذاتي، بمعنى حضور هيمنة بينهما، ولم يستطيع بوديو انكار وجود جدل بين الاثنين. ولهذا الاشكال المثار بين الموضوعي والذاتي. بحاجة إلى توصيف ثقافي دقيق، ولان بورديو وجد في مصطلح الهابيتوس انموذجاً قادراً على توفير ما هو مطلوب، لتوحيد ثنائية الموضوعي والذاتي ( وذكر د. محسن جاسم الموسوي تعريفاً بمغزى ( الملاذ ) الثقافي، اي البنى الاجتماعية المنتجة لوعي جمعي، كأمن خاص بجماعة دون اخرى : يقول بورديو، ان البنى الاجتماعية تنتج ملاذاً، مجموعة من الميول للإداء والتفكير والادراك والشعور بطرائق دون غيرها، وبأساليب دارجة في الكلام والحركة، كما انها تأتي بأنماط لا واعية في معرفة العالم، وتكوينه وتصوره، وكل هذه في رأيه لا يتحقق من خلال ما يألفه من دراية وتعلم وعناية واعية، وانما من خلال الاختلاط الاجتماعي الاساس، والعلاقات المتوارثة، والتي تؤول جميعاً إلى توليد العادات والتقاليد والشفرات الاجتماعية او العلاقات التي تأخذ سبيلها بين الناس [ د. محسن جاسم الموسوعي / النظرية والنقد الثقافي / المؤسسة العربية للدراسات والنشر / بيروت / 2005/ص 21ــ22]
تختلف فكرة « بورديو « عن تلك التي تعني بالتعددية المكانية لدى فوكو: فالمنتج الاجتماعي للمكين والمكان، هو الذي يأخذ الاولوية عند الاول، وهو الاصل في نقده لعولمة الاكراه والقوة. اما فوكو فيحيل إلى امر اخر هو الفسحة الخارجية. لا المكان الداخلي الذي عني به غاستون باشلار في « شعرية المكان « انه يهتم بخاصة بــ (مكانته) الحياة الاجتماعية، او المساحة التي تشتغل فعلياً والتي لها فعلها ايضا وهذه الفسحة، كالمسرح والحمام الشعبي والمتحف والسجن والمبغى والمستعمرة تعني مجموعة من العلاقات التي تسقط نفسها على الامكنة المتميزة عن غيرها، هذه الاماكن حقيقية وقائمة ولهذا يطلق على تعدديها سمة الواقع قبالة الامكنة الطوباوية او الفاصلة : انها فسحة المزاولات الاجتماعية، او الميدان الملتقى كما يقول لتحديد اختلافه عن اليوتوبيا [ د. محسن الموسوي / سبق ذكره / ص 22]
في حديث د. الموسوي عن مغزى الملاذية وردت اشارة عن البنى الاجتماعية ودورها الجوهري في صياغة وتكوين الوعي الخاص بالجماعات. ومعروف بأن المجتمع مكون من طبقات، وكل طبقة من عديد من الجماعات، وحتماً لكل جماعة ثقافتها وأنماط حياتها وتقاليدها الثقافية والاجتماعية، بما فيها الأزياء. وكذلك لها خصائصها المميزة لها بالغناء والموسيقى. هذه المميزات لا تدفع باتجاه العزل بين الجماعات ضمن طبقة واحدة، أو بين الجماعات المكونة لبعضها البعض. والرأي الذي ذهب اليه بورديو إلى تكونات الملاذ يشف بوضوح إلى رأي غرامشي الخاص بالمثقف. ومن هنا اعتقد بأن العلاقة بين المثقف والثقافة متماثلة ولم يجد غرامشي فروقاً بينهما ولذا اقترح تماثلاً واضحاً، وقال: (لا يبتعد تعريف المثقف كثيراً عن مفهوم الثقافة سواء أكانت ممارسة يزاولها أم سمة يوسم بها، عليه نرى السياسي والطبيب والمحامي والقاضي والمدرس والنجار والحداد وغيرهم يمارس عملاً تثقف عليه بالخبرة والدراية أو البحث والدراسة ويسهم بالتحول إلى الثقافي والانساني المكتسب ويمتلك قدراً من التميز والإبداع عن أقرانه في الحقل ذاته، وهؤلاء جميعاً ليسوا بحاجة إلى ملاذ، لأن عملهم بحد ذاته هو الملاذ، وسأستعير من «بورديو» مصطلح « الملاذ الثقافي «… والمثقف هو المعني به لأنه ينتج ثقافة طغيان بعض فئات المجتمع واستعباد السلطة، إنه هو من يمتلك في خطابه نواة مواجهة القبليات المميتة والميتة، فهو يواجه المجتمع والسلطة في آن ويغلق ثوابت الطرفين، فلا بد من توفير «الملاذ الثقافي» أو بنية تحتية لتسويق منتجه وترويجه ومساحة مفتوحة من الحرية، وهذا يتطلب حصانة ثقافية من السلطة وبعض ثقافات المجتمع [ د. سمير خليل / نقلاً عن د. كريم شغيدل عن خطاب الحداثة / 156]. واشترك دنيس كوش برأي مماثل لما ذكرناه قبلاً، وقال: لا توجد الثقافات بمعزل عن العلاقات الاجتماعية التي تكون دوماً، علاقات غير متساوية، هكذا إذاً، منذ البدء، هناك تراتب فعلي بين الثقافات ينتج من التراتب الاجتماعي، إذا كانت كل الثقافات جديرة بالعناية ذاتها والاهتمام ذاته من لدن الباحث، أو أي ملاحظ كان، فذلك لا يسمح بأن نستنتج أنها معترف لها كلها بتساوي القيمة اجتماعياً، كما لا يمكن أن تنقل على هذا النحو، من مبدأ منهجي إلى حكم قيمة [ دنيس كوش / سبق ذكره / ص 120].