النوم في قارب الأبد

طالب عبد العزيز

إلى : فائزة واسماعيل

إلى قضيب الحديد الناتئ في بدن الجسر أوثقتُ حبل القارب، لم أحكم ربطه جيداً، هناك، على الموج الغافل البليد، تحت دمدمة المركبات، انتظرتُ اسماعيلَ، صديقي، الذي ذهبَ إلى بيت فائزة، التي بشارع بشار، قرب سوق السمك والخضار، بالبصرة القديمة، أوصيته بها خيراً. اسماعيل الذي تأخرتْ رصاصةُ ظهره ثلاثين عاماً، لتقتله، بين القصب والطين والقوارب المحطمة، على ضفة شط العرب الغربية، هارباً من حرب الثمانينيات الطويلة، التي نشبت ضارية بين الماءين. منذ ثلاثين عاماً، وأنا أصغي لدمدمة الحديد تلك، بانتظار المركبة التي ستقلهما. كل مركبة تمرُّ على الجسر كانت تحمل فائزة واسماعيل، وكل كيس بين أيديهما كان ضاجّاً بالبيرة وأسياخ اللحم والفاكهة، كل رائحة تشقُّ جيب الماء كانت لهما، هل أقول تأخرا ؟ لكن، أبعدَ ثلاثين عاماً ؟ أنّى لي أنْ أرتّب الوقت، أسوّي الحصران والحبال والمجاذيف، وأحصي القوارب والمركبات والنخل والموج لأقول لروحي: ها هما، وقد مرت السنوات الطوال تلك، ثقيلةً. العاطل من ذلك كلّه أنا، وحدي، ألتحفُ الخشبَ والماء والقصب والاسماك، ولا أصحو.
سمعت مركبة توقفت، عند ناصية الجسر، ورأيتُ شبحين في الظلام، مما لا يتكرر بين القصب والطين دائماً، هو بعض ما أتعثر به من حجارة الذكرى الآن. فائزةُ بتنورتها الفاضحة وانصبابِ القمر في وجهها، واسماعيل بقميصه ذي الكم الطويل. لا، لم يكونا حبيبين، ما كنّا لنعرف من الحبِّ أبعد من سرير نتبادل العناق والقبل وإتيان النساء عليه، نحن الاثنان. لي من فائزة نصفٌ وله منها نصفٌ، هو يدّعيها له، وأنا أدّعيها لي، يأخذها لسريري ساعة، وآخذها لسريره أخرى، لكننا، ننزل الماء معاً، وتبادلنا فائزةُ أسياخ اللحم وأفخاذ الدجاج والكؤوس المزبدة، لنا من القمر الخصيبي حصَّتان، نصف له، ونصف آخر لي. وما بيننا إلا ما حرّمَت الخمرةُ على نفسها، وما لم تدوّنه المجاذيفُ في كتب القبل والمعاشرة والنسيان، وبيننا كل ما تقادم من النخل في النخل واستذأب من الظلام في الظلام.
قلتُ له: لتكنْ أنت من يجذّف أولاً، فأمسك اسماعيل بالماء مهرولاً يشطره، وبالقصب مفرّقاً ينهره، طائراً بنا، وحيزومُ قاربنا منتصب فوق الماء، ولأنني لها، فقد ظلَّت فائزة في حِماي، أطلبها لفراشي فتجيب، وتطلبني لتنورتها وقميصها معرّياً ومخلعاً، حتى إذا انتظم الزورق سرير شوق لنا، عانقتني، (فدخلت ليلين شعرها والدجى). أقول لأسماعيل خذنا إلى نهر منبتر وبهيم، ينغلق علينا فلا نصل ولا نؤوب، واسماعيل يمضي، يجذّف، يرتّق ما تمزق من شرشف الموج، صاعدا ونازلا، في غياهب أجهلها الآن، فلا أسمّي البساتين التي ذهبت نادمة، لا أحصي النخل والخوخ والاجاص الذي تخلف، يتبعنا.. لكنني، وحدي سأكون الحامد والشاكر، كيف لا؟ وقد ذهب الظمأ وابتلت العروق، ونادى منادي الجسد: أنْ افلحوا في ترتيب الليل وتسوية النجوم، وخذوا من الهداة ما بين الضفاف وتحت الميازيب. هل اتممنا القصب خربشة؟ بلى، هل أتينا الجذوع ما يخلّدها؟ أيما والله، أتيناها، أو هل كانت القبرات إلا ما نسينا من الكلام، إلا ما ألفناه من البلل في سراويلنا، التي ما زالت معلَّقة على الجريد، لنا كل ما صار في جوف الزورق لزجاً، وما ظل يضوع إلى الفجر خائراً، دبقاً في أرباضنا؟
شددتُ ذراعي بذراع اسماعيل، ونامت فائزة بيننا، ورقة موز عريضة، لا أكثر، ذاك كل ما كان عليها من الثياب. هو يريدها لوجه محدّثةً، كيما انشغلَ أنا بحساب حبّات قلادتها، حتى إذا اتممتها مئة ومئتين، أضعت الحبة التي ابتدأتُ بها. هكذا، أنا، إلى اليوم، ما زلت أعدُّ الحبات وأخطئُ، أزوّل دهراً في قلادة أحبّها، واسماعيل يحدّثها عن الانهار، التي علينا إتيانها، عن الاقمار التي ما زالت بين السعف والعراجين. نامت فائزةُ على ذراعي، واسماعيل ما زال يصارع الرصاصة، التي اخترقت ظهره، بين الماء والمراكب النافقة، هناك، على ضفة شط العرب الغربية، أما أنا فقد أتتْ الذكرى عليَّ بسرفاتها، وطحنت الريح والماء والسراويل التي نسيناها بين السعف والعراجين.
كانت البيرةُ صفراءَ فاقعةً، تذهب بالشجن فلا يعود، وتنتقي من الشتائم أجملِها الينا، فنضحك. لماذا جعلتما الليل قافلة غائبين؟ قلادةً سوداء بحبات لا نهاية لها، لماذا، يا أسماعيل ويا فائزة، لم تقنعا بالقارب سريراً لانقضاء الليل، وبدخولنا الماء خاتمة للعناق؟ اليوم أرقص، حزيناً، بالذكرى الثلاثين للقبل، التي كانت فاكهة من لا فاكهة عندهم، وموحشاً، أحتفي، بالذين ناموا في الابد، ولمّا يختلفوا على سفرجلة روحي مأمناً لقاربهم.