الهارب من مخاطر النجاح جول رونار

شاكر لعيبي

جول رونار : كاتب ومؤلف مسرحيّ فرنسيّ وهو «شاعر» أيضاً (1864 – 1910). لم يعرف نجاحاً فورياً، فقد قام في البدء بعدد كبير من القراءات، وتردّد على الأوساط الأدبية، وتعاون مع الصحف، ونشر عام 1886 قصائده في عمل بعنوان (الورود)، وهو كتيب طبعه على نفقته الخاصة، ونشر مجموعة قصصه (جريمة القرية) عام 1887 في «مجلة باريس – Revue de Paris». تَسِمُ بداية روايته (قمل الخشب) السنوات التي عاش فيها بفضل المعاش البسيط الذي كان والداه يدفعانه له. عندما أسّس كتاب فرنسيون شباب في عام 1889 مجلة ميركور دو فرانس Mercure de France ، كان أحد المساهمين الرئيسيين فيها، فقد كان ناقداً وناثراً ورئيس تحرير وإدارياً. يقطف النجاح بروايته (المتطفل) التي نشرت عام 1892 وهي تروي سيرة كاتب طفيليّ. كان يحيط رونار في ذلك الوقت بعض من ألمع الأسماء الأدبية يومها: الفونس آليه وأدمون روستان وكورتيلين والأخوة غونكور وتريسان برنار ولوسيان غوتري وسارة برنار. في عام 1894، انضمّ لجمعية الأدباء، وألّف (الكَرّام بين كُرُومه) و.(زغب الجَزَر). وكتب في مذكراته التي حرّرها بين السنوات 1887 – 1910 يقول «أتهرّب من مخاطر النجاح»، وهي مذكرات لم تنشر إلا بعد وفاته بين 1925-1927 وتشكّل شهادة ثمينة بشأن حياته الأدبية في حقبة الزمن الجميل.

أشمئزّ من القافية، خاصة في النثر

كلماتي تساوي ثروة، ولست أنا

في هذا العمل الضخم الذي بترت أرملته مخطوطته ثم أحرقتها، يُظْهِر جول رونار حذاقة كبيرة وروح النكتة الشرسة ويُخفي حناناً لا متناهياً ولكن أيضاً بغضاً للجنس البشريّ وتلطُّفاً إزاء تعاساته.
منذ عام 1896، كان رونار يقضي عدة أشهر من السنة في (النييفر)، في منزل صغير لكاهن يدعى لا غلورييت. في عام 1897، انتحر والده برصاصة بندقية في القلب وكان مريضاً لبعض الوقت بمرض غير قابل للشفاء. في عام 1900، قَبِل وسام الفيلق وأصبح عضو مجلس بلدية شومو في النييفر. بين الأعوام 1901 و 1903، كتب العديد من المقالات لصالح صحيفة L’Echo de Clamecy، وكانت نبرتها علمانية جمهورية ومعادية للأكليروس. أصبح خلفا لوالده رئيساً لبلدية غيتري عام 1904. انتخب عن قائمة الجمهوريين، ملتزماً بمكافحة الجهل، وكان أحد تدابيره المدهشة هي مجانية اللوازم المدرسية.
في قضية درايفوس الشهيرة، يدعم إميل زولا وينتقد بشدة إدانته. كشف عن إعجاب متحمس وشبه هذياني بفيكتور هوغو.
انتخب رونار عضواً في أكاديمية غونكور في 31 أكتوبر 1907.
في عام 1909 توفيت والدته بالوقوع في بئر منزل الأسرة، عن طريق الخطأ أو منتحرةً. أما هو نفسه فقد توفي بسبب تصلُّب الشرايين في سن الـ 46 من عمره.
كان جول رونار مُلاحِظاً مرهفاً للطبيعة. كان شغوفاً ومفتوناً بعظمة العالَمين النباتيّ والحيوانيّ، لذا فقد كتب في نهاية القرن الـ 19 سنة 1894 عمله (التأريخ الطبيعي). وهو على كل حال ليس عملاً علمياً، بل كان يستهدف عرض (بورتريهات الحيوانات)، الحيوانات الرمزية، سلوكها وعلاقتها بالإنسان. العمل من نمط كلاسيكيّ، ونصوصه متاحة تماماً للقراء الشبّان. المفردات بسيطة، والجمل قصيرة، وحواراته الكثيرة تعطي إيقاع الكتابة القصصيّة، وهو يتقن التوازن بين الوصف والشعر، بينما يميل استخدامه المنتظم المتناوب بين الفعل المضارع والفعل الدلاليّ (أو المرفوع) إلى تقمُّص حالات الآخر.
من هنا يعتبر بعض الكتاب الفرنسيين اليوم أن نصوص (التأريخ الطبيعيّ) إنما هي نوع من الشعر المنثور، أو قصيدة النثر. وعند عودتنا إلى النص الكامل للكتاب تأكد لدينا هذا الاعتبار. فإذا ما أتيح لرونار في ظننا أن يكون معروفاً بصفته روائياً فقط، فلأن اعتبارات مثل اعتباراتنا اليوم لقصيدة النثر لم تكن راسخة بالشكل الذي رسخت فيه في فرنسا وفي الشعر العربيّ فيما بعد.
من هنا نترجم، في البدء، نصاً للتدليل على كون (التأريخ الطبيعي) إنما هو في الحقيقة نصوص تقترب من عوالم قصائد النثر التي نعترف بها اليوم:

البجعة Le cygne
«تنزلق في الحوض مثل مزلجة بيضاء، من غيمة إلى غيمة. لأنها جائعة فحسب للغيوم المندوفة التي تشهد ولادتها، وهي تتحرّك وتضيع في الماء.
تريد واحدة منها. تستهدفها بمنقارها، وتغمر فجأة عنقها المكتسي بالثلج.
ثم، كذراع امرأة تخرج من كُمٍّ، تنسحب.
لاشيء لديها.
تنظر: اختفتِ الغيومُ الفَزِعَة.
لا تزال هناك لحظة مُخَلَّصة مِن الْوَهْم، لأن الغيوم تتاخر قليلاً في العودة، وحيث تموت موجات الماء، ها هنا من تعاود التشكُّل [منها].
بتمهُّلٍ، على وسادة خفيفة من الريش، تجدّف البجعة وتدنو…
تستنفد نفسها في صيد انعكاسات عابثة، ولعلها ستموت ضحية هذا الوهم، قبل اصطياد قطعة واحدة من الغيم.
لكن ماذا أقول؟
في كل مرة تغوص، كانت تستقصي بالمنقار الإناء المغذّي وتعود بدودةٍ.
أنها تَسْمن مثل أوزة».

« الشعرُ…. نثرٌ مُزوّدٌ بقفازين وحَمّالتي بنطال أمريكيتين…..».
حرفيا (أبيات الشعر).
°°°°°°°
«بيت شعريّ جميل له اثنا عشر قدماً وجناحان».
يشير إلى الاكسندران alexandrin، الوزن الفرنسيّ الشعريّ التقليديّ.
°°°°°°°°°°°
«لا يُرْجع العَدَمُ شيئاً. يتوجّب أن يكون المرء شاعراً كبيراً لجعله يُجَلْجل».
يرجع أو يُعِيد.
°°°°°°°°
«إنسان ذكيّ يتوصّل دوماً إلى حل نظرية [معقّدة]، [لكنه] لا ينجح دوماً إزاء القصيدة».
Théorème: فرضية رياضية غالباً.
°°°°°°°
«شاعرٌ مُلْهَم هو شاعرٌ يصطنع أبياتاً زائفة».
°°°°°°°
«أشمئزّ من القافية، خاصة في النثر».
°°°°°°
«على النثر أن يكون شعراً لا يذهب إلى بداية السطر».
°°°°°°°
«كلماتي تساوي ثروة، ولست أنا».
°°°°°°°°
«الكلمات مثل قبّة [شاخصة] على فكرٍ مستترٍ».
الأدقّ من مفردة القبة هنا المفردة (عقد) بالمعنى المعماري، لكن الطبيعة المجازية الدائبة لعربيتنا منعتنا من استخدامها. حرفياً: تحت الأرضيّ بدلاً من المستتر.
°°°°°°
«يتوجّب النظر إلى الحقيقة شاعراً».
°°°°°°°°°°°°°
«الشاعر هو من يرى التراجيديا والكوميديا [كليهما]».
°°°°°°°°°°°°°°°°°
«المتهكمون، هؤلاء الشعراء المرتابون، قلقون حدّ التخفّي».
التخفي أو التنكُّر.
°°°°°°°°°°°°
« ليس الحلم سوى حياة مُتسّعة بجنون».
°°°°°°°°°°°
«لنسمّي شعراً الإبداع بالصورة والحلم».
°°°°°°°°°°°
«كي تكون أصلياً، يكفي تقليد المؤلفين الذين لم يعدوا دُرْجَةً».
درجة أو موضة.
°°°°°°°°°°°
«الحلم هو ترف الفكر».
°°°°°°°°°°°°°
«الحصان هو الحيوان الوحيد الذي أعرفه حيث يمكن أن تُغرس المسامير فيه».
°°°°°°°°°°°°
«لعل الإلهام ليس سوى متعة الكتابة، أنه لا يسبقها».
°°°°°°°°°°°°°°
«الوضوح هو كياسة الأديب».