بانييال ملك آشور.. ملك العالم

عواد ناصر

في المعرض الخاص، المقام الآن باسم «أنا آشوربانيبال ملك آشور..ملك العالم» وسط العاصمة البريطانية لندن، حيث متحفها الشهير، تمكن الزوار من الاطلاع على لقىً وتحفيات نادرة من مواد متنوعة مما تبقى من مملكتنا الآشورية العريقة، وعاصمتها نينوى، فثمة ما يمثل جداريات كبيرة من ألواح آشورية بالنحت البارز وأوانٍ من السيراميك، أو الفخار الملون، على غاية الإتقان والجمال، عُرضت بذوق راقٍ وفني رفيع. يستمر المعرض حتى 24شباط المقبل..
نصوص مكتوبة بالمسمارية وأخرى بالآرامية تمثل أوامر ملكية أو نصوصاً قانونية، أو سندات بيع وشراء، أحدها يخص بيع أحد العبيد مكتوبة على العاج.
ما يلفت الزائر، أول وهلة، ذلك الضوء الخافت الذي يكتنف المكان ليضفي على فضاء المعرض شيئاً من جلال البهو الملكي بينما تنساب موسيقى هادئة ترافق صهيل الخيول وإيقاع حوافرها وكأننا، نحن الزوار صحبة أقوى جيش في عصره وهو يحقق انتصاراته على أعدائه، ويتعالى التصفيق في أروقة المعرض.
اللافت، أيضاً، هو حسن التنظيم وفن العرض، رغم فقدان بعض أجزاء الرقيمات، وتآكل حافات بعضها الآخر، لكن ما يعوض ذلك هو تلك العناية الفائقة بترميم المنحوتات والرقيمات ولصقها ببعضها بعضاً لتعود كاملة أو شبه كاملة، وهناك صور فوتوغرافية، بالأسود والأبيض، تعرض إحدى عمليات التنقيب والحفر منذ بداية القرن الماضي، إذ هناك صورة عند لحظة اكتشاف منحوتة عرضت تحت المنحوتة الحقيقية المعروضة فوقها.
تصاحب كل مادة معروضة نبذة مختصرة عنها توضح مضمونها، أو مناسبتها، وتاريخها، مما يكشف غنى حضارة ما بين النهرين التي امتدت على مساحات شاسعة مما يسمى اليوم بـ «الشرق الأوسط» من غرب إيران حتى شرق مصر التي اقتحمها الجيش الآشوري وتسلق أسوارها الحصينة بالسلالم الخشبية، كما تظهر بعض المعروضات الكبيرة.
إذا كان من الصحيح إن المعروضات تُظهر مملكة قوية بجيش قوي وعلامات على التسلّح، بالحراب والأقواس، والجنود وهم يتسلقون أسوار الأعداء، فهناك، بالمقابل أكبر مكتبة في عصرها داخل قصر الملك ضمت حوالي ثلاثين ألفاً من الرقيمات والألواح في الفن والأدب والتربية والتعليم والطب والهندسة والري والزراعة، عدا النصوص القانونية والتجارية والسياسية ومراسلات المملكة مع جيرانها، عبر بريد ملكي مضمون، ينقله السعاة على ظهور الخيل والعربات بعجلاتها الثنائية، حيث العجلة أول اختراع سومري في العالم، وفق نظام بريدي متطور، يغطي أراضي مملكة شاسعة من الصعب تغطيتها بريدياً.
الملك آشوربانيبال، نفسه، الذي أولى التعليم أهمية استثنائية تعلم الإتيكيت الملكي وصيد الأسود لأن صيدها بمثابة حماية الناس من خطرها.
تكشف الملصقات التوضيحية التي تلاصق المعروضات تاريخ مملكة وسيرة ملك، وفيها تلك الدراما الملكية المتمثّلة بالأخ الأكبر شمش شومو وارث العرش عن أبيه وخائن وطنه الذي هرب إلى عيلام المجاورة، لاجئاً، بعد تولي آشوربانيبال الملك، لكن شمش لم يكن لاجئاً عادياً بل خائن متواطئ عاش بحماية العيلاميين.
طه باقر، العراقي قارئ الطين كان حاضراً في المعرض: غلاف كتابه «ملحمة گلگامش» الذي ترجمه مع صورة للصفحة 114، وليس بعيداً عنه أندرو جورج الذي ترجمها إلى الإنگليزية. آشار تعريف المتحف إلى ترجمة طه باقر بالقول: «إنها الترجمة الأكثر انتشاراً بالعربية».
وقُبيل باب الخروج وأنت تهم بمغادرة المعرض هناك جدار طويل علقت عليه صور ومقتبسات موجزة عن تاريخ العراق منذ بداية القرن التاسع عشر، حيث بداية التنقيب مع صورة لرائد الحفريات العراقي هرمز رسّام، مكتشف القصر الشمالي لآشوربانيبال، عام 1853، وإلى جوارها صورة للملك فيصل الأول مع غروترود بيل صانعة الملوك البريطانية، عام 1922، قبل تأسيس المتحف العراقي عام 1926، وصولاً إلى عام 2017، مروراً بعام سقوط نظام البعث عام 2003، مع إشارة مريرة إلى جرائم النهب والتهريب التي تعرض لها المتحف العراقي وما أعقبها من تدمير المعالم التاريخية المهمة على إيدي «داعش».