باولا ريغو .. بينوكيو الشخصيّة التي يستطيل أنفها كلما ازداد كذبُها

بقلم : كيلي غروفيير

ترجمة ومراجعة : رسل الصباح

إن تحفة ريغو من عام 1996، «جيبيتو يغسل بينوكيو»، هي من بين حوالي 70 لوحة تم تجميعها لمعرض جديد وكبير في متحف أورانجري في باريس تحت عنوان: القصص القاسية لباولا ريغو. قد يبدو عنوان «عمل الباستيل على الورق» بريئاً بما فيه الكفاية للإشارة الى نزع السلاح في قصة الأطفال الشهيرة في القرن التاسع عشر عن دمية خشبية تحلم بأن تصبح فتى حياً. لكن هناك القليل من الحلم حول المشهد القاسي الذي تصوره ريغو.
يحدق رجل جالس وهو يرتدي مريلة نجار في جسد واهن لطفل نحيل يرقد ووجهه للأسفل، جامد كاللوح الخشبي، فوق ركبتيه. هل الطفل حي أو انه مجرد لوح خامل من الخشب المنقوش؟ يمسك الرجل خرقة الدم الحمراء حيث يقوم مبتكر الدمية بينوكيو بتنظيف البشرة الغامضة للطفل بتركيز بارد كجزار يلمع سكاكينه.
طقس التنظيف البارد هذا تم تنفيذه في مرحلة قد تكون بالامس، أو قبل ألف عام، أو مائة عام من الآن. خلف هذا الثنائي، لا شيء سوى الظلام الغريب. أمامهم، فقط التثاؤب المتعمق لدلو أسود واحد يزعج الفضاء الخالد الذي يتشابك فيه الاثنان بشكل وثيق. جيبيتو وابتداعه معلقان إلى الأبد في مكان ما بين الأسطورة والموت والخيال وأيا من الحقائق المعذبة التي تصطاد في الزوايا الكئيبة لخيال ريغو.
كجميع أعمالها، فإن «جيبيتو يغسل بينوكيو» هي صورة تتلاعب معانيها الغامضة معاً على عدة مستويات متداخلة- نفسية، ثقافية، وروحية. فالباستيل ينتمي إلى سلسلة من الأعمال المستوحاة من أعمال ديزني المتحركة للقصص الشعبية للأطفال المشهورين من تسعينات القرن العشرين.
في عام 1996 حولت ريغو اهتمامها إلى اختراع الكاتب الإيطالي كارلو كولودي للدمية الحية التي يطول أنفها كلما تكذب، لاستكشاف المزيد من الحدود الضبابية بين الحقيقة والخيال والفن والحياة.
منذ ستينات القرن العشرين ومن خلال جمعيتها التي ضمت الزمرة الأسطورية من الفنانين المعروفين باسم «مجموعة لندن» (والتي شملت الرسامين البريطانيين فرانك أورباخ وديفيد هوكني)، أظهرت ريغو انفتاحاً على قوة العقل الباطن لإملاء شروط صنع صورها. فاستخدام السريالية وفترة تجريب الرسم التلقائي مهدت الطريق لسحر أكثر نضجاً مع تلك القصص، سواء البصرية أو الأدبية، من رواية جين إير الى الكاتب الانكليزي لويس كارول، من الرسام الانكليزي ويليام هوغارث الى الرسام الاسباني فرانسيسكو غويا، ومؤخراً، من الشاعر بلايك موريسون إلى الكاتب المسرحي مارتن ماكدونا.

صور عائلية
عازمة على إعادة اختراع قصة بينوكيو، وجدت ريغو نفسها في وضع لوحة معقدة من العناصر الشخصية المكثفة التي تنشط عملها من الأعماق. اذ تم إدراج ابن زوج الفنانة، رون مويك (النحات الأسترالي الذي ترعرع في عائلة لصانعي الدمى) ليظهر على هيئة جيبيتو. ان المزج الغريب للأسرة والأسطورة في هذا العمل يرافق لوحة «جيبيتو يغسل بينوكيو» والتي توحي الى العلاقة المضطربة بين مويك ووالده.
في لوحة أخرى تهمس الجنية الزرقاء- ابنة الفنانة وشقيقة مويك، الممثلة فيكتوريا ويلينغ، والتي أدت دور «الجنية ذات الشعر التركوازي» بأذن بينوكيو. في قصة كولودي، الجنية هي صوت الأم للضمير الأخلاقي الذي يذكر بينوكيو أنه يجب أن يتصرف بطريقة أخلاقية. إنها الجنية الزرقاء التي تبدي الشفقة على المريمية (دمية تتحرك بالاسلاك) النادمة باستدعاء نقار الخشب لنقر أنف بينوكيو الطويل إلى أقل حجم. وبادراج ابنتها وابن زوجها في إعادة أسطورة الأطفال، تزيل ريغو الحدود بين التقاليد الثقافية وفن التصوير العائلي وتعقد نفسها في هذه العملية.
ولا تتوقف التعقيدات هناك. اذ إن تكثيف استجابتنا للوحة ريغو «جيبيتو يغسل بينوكيو» هو محاكاة لعمل لا شعوري للوحات فنية متشابهة من تاريخ الفن. فريغو فنانة ذكية في الصور والبنية الهرمية لاقتباساتها- شخص بالغ يحمل طفلًا لا حياة له- تستدعي عددا لا يحصى من الافكار في الفن الغربي لجسد المسيح المتصلب في أحضان مريم العذراء. مضيفة بذلك طبقة أخرى من الجرأة الفنية لعملها.
تعترف ريغو: «موضوعاتي المفضلة هي ألعاب القوة والتسلسل الهرمي. أريد دائما أن أدير الأشياء على رؤوسها، وأن أخل بالنظام القائم، وأن أغير الأبطال والأغبياء». تعد «جيبيتو يغسل بينوكيو» مجموعة غريبة من المراجع الفكرية والسيرة الذاتية والدينية، ونموذجاً لقصص ريغو الغنية، اذ توفر نوعاً ما من المفاتيح لفك شفرة المعجم السري لفنها الرائع والممنوع.