بحيرة لامارتين في الأدب العربي

باسم عبد الحميد حمودي

يعد الفونس دو لامارتين (21 تشرين الأول1799-28 شباط 1860) واحدا من أهم شعراء الفترة الرومانسية الفرنسية, وتعتبر قصيدته التي نحاورها وهي (البحيرة) واحدة من أشهر قصائد لامارتين التي نشرها في ديوانه (تأملات) 1820 وهو في الحادية والعشرين من عمره وقد تناولت هذه القصيدة بالترجمة مجموعة من كبار المبدعين العرب كما سنرى,لاهميتها في التاريخ الشعري الرومانتيكي.
ولد لامارتين في مدينة ماكون القريبة جنوبا من مدينة ليون, وظل محافظا على احترام العائلة والأرض لانتمائه الى أصول محافظة, وقد وقف من الدين والطبيعة والحياة موقفا ايجابيا معارضا للهزات الاجتماعية الكبيرة التي فرضتها القبعة المثلثة الألوان ونشيد روجيه دي ليزلي(لامارسييز) الذي ظل منتصرا حتى يومنا هذا منذ عام 1875 باعتباره النشيد الوطني الفرنسي .

بالمقابل ورغم محافظة لامارتين الفكرية فقد انتج افضل القصائد المتمردة على نمطية الكلاسيكية وقاد مع زملائه( دي موسيه –هوغو- شاتوبريان ) ثورة أسلوبية واضحة اشتغلت على التجديد(الثوري؟!) في الشعر الفرنسي ورسخت جذور التطوير الرومانسي في الأدب.
من جانب فكري ظل لامارتين خارج اللعبة الامبراطورية لنابليون الاول التي اكلت الثورة بدكتاتوريتها, منحازا الى الصياغة الملكية الدستورية, وكان واحدا من الضباط المرافقين للملك لويس الثامن عشر, لكنه استقال من الجيش بعد معركة واترلو 1815 التي أنهت تجربة التسلط الدموي لابن كورسيكا على مقدرات أوربا.
غادر لامارتين باريس في شبابه الى ايطاليا عام 1811حتى سقوط نابليون الاول وعودة الملكية البوربونية الدستورية (هذه المرة) بزعامة لويس الثامن عشر الذي خلف عمه الملك لويس السادس عشر (الذي أعدمه يعاقبة الثورة بزعامة مارا-سان جوست- روبسبيير) وابن عمه النسر الصغير(لويس السابع عشر ابن النمساوية ماري أنطوانيت) الذي لم يحكم يوما واحدا ومات في السجن وعمره عشر سنوات بعد اعدام والديه بعشرين يوما!

مأساة الأمير لوي شارل كابيه
ليست حالة وفاة الأمير الفرنسي السجين ولي العهد جزءا أساسيا من موضوعنا هذا, لكننا ندرجها للتذكير بالضائع من البشر عبرالتاريخ, فقد قدمت عشرات الأفلام والمسرحيات عن حياة هذا الصبي الذي مات في السجن بعد اصابة قاتلة بسل العظام وضرب (الثوار) الدائم له وأرغامه على شرب النبيذ سخرية وانتقاما لذنوب لم يرتكبها, وقد عده ابن عمه لويس الثامن عشر ملكا(!) سبقه في الحكم, والامير السجين لم يحكم يوما واحدا وجرى ادعاء اسمه وشخصه لدى كثيرين تاجروا بمأساته كما تاجر السيد مترنيخ رئيس وزراء النمسا بمأساة النسر الصغير ابن نايليون بونابرت الاول من زوجته النمساوية ماري لويز

بحيرة لامارتين
عاد لامارتين من ايطاليا الى مدينة (ملي) الفرنسية مستعدا لاصدار ديوانه(مرثيات) الذي خلد فيه موت امرأة أحبها.
خلفية قصيدة البحيرة تنطلق منتجربة عاشها الشاعر في شبابه وفي مدينة أكس ليبان جنوب شرقي فرنسا حيث أحب هناك سيدة تدعى (جولي ) كانت زوجة لفيزيائي مشهور دعيت مدام شارل.
زارت هذه السيدة بحيرة بورجه للاستشفاء من مرض التدرن في وقت كان فيه الشاعر يستشفي من اوجاعه, هنا قامت علاقة حب بينهما مغلفة بنوع من السمو الروحي يقول عنه الشاعر :
هكذا نحن مدفوعون دوما الى شواطئ جديدة
منجرفون في الليل الأزلي بلا عودة
في أوقيانوس العصور
الا نستطيع القاء مرساتنا يوما ؟
وينشد كذلك ملتاعا:
أيها الزمن..أوقف طيرانك
وأنت ايتها الساعات السعيدة
أوقفي جريانك
دعينا نتذوق اللذات العاجلة
لأجمل أيامنا
لكن ذلك لم يستمر أذ أنفصلا بحكم ظروفهما الخاصة, ثم التقيا بعد أشهر شتاء ليتفقا على اللقاء صيفا في مدينة أكس ليبان .
حين وصل لامارتين الى المدينة في الموعد وجد أن حبيبته قد غادرت الدنيا في كانون الأول(ديسمبر) من ذات العام.
هكذا واجه الشاعر بحيرة بورجيه وحيدا الا من الذكريات العاصفة,اذ كانت السيدة الفيرا الراحلة سببا في كتابة قصيدة (البحيرة) وفي صدور ديوان (التأملات) الذي يعد ديوان الرومانسية الاول الذي نجح في لفت الانظار الى الخط الجديد من تجربة شعرية جديدة.
كانت غنائية لامرتين وتوهجهها مدركة لديه اذ يقول هو عن تجربته :(أنا أول من أنزل الشعر من جبل البارناس ومنح من كانت تسمر آلهة الشعر أوتار قلب الأنسان ذاتها المتأثرة برغبات الطبيعة التي لا حصر لها بدلا من ربابة ذات سبعة أوتار تقليدية)
يقول الدكتور زهير مجيد مغامس في كتابه (بحيرة لامرتين في الأدب العربي) الصادر عام 1998 أن من جميع قصائده التي كتب لها الخلود على مر الايام قصيدة البحيرة, ويقول أن معظم من ترجم القصيدة الى العربية قد نقلها عن الفرنسية الاعلي محمود طه وزكي نجيب محمود ومحمود المحروق الذين ترجموها عن الانكليزية .
ترجم مغامس القصيدة عن الفرنسية وهو مترجم فصيدة النثر لسوزان برنارد ومترجم (ليون الأفريقي) للمعلوف والمترجم الثبت,وكان يقارن مقاطع الترجمات الاخرى للزيات ومهدي البصير ونقولا فياض وسواهم بترجمته النثرية ويحاورالترجمات في فصل آخر.
وجد مغامس ان أحمد حسن الزيات قد ترك بصمته الشرقية على النص وكذلك البصير, يناقش بقية المترجمين نقاشا تفصيليا ليجد في ترجمة محمود المحروق دقة في فهم كلية النص الشعري, ويدهش لاغفال البعض منهم ابياتا مهمة, وتصرفهم المخل في الترجمة بينما كان نقولا فياض هو الاقرب الى فهم تجربة الشاعر, بينما كان علي محمود طه قد ترك بصمته الشعرية على نص مرموق مثل البحيرة.
ويشير الدكتور محمد زكريا عناني في كتابه الذي أصدرته مؤسسة البابطين له عام 2006 تحت عنوان(من ترجمات لامرتين) أن أحمد شوقي أول من ترجم (البحيرة) لكن ترجمته ضاعت عند نفيه الى الاندلس.

نموذجان من ترجمتين
نقولا فياض

أهكذا أبدا تمضي ليالينا
نطوي الحياة وليل الموت يطوينا
تجري بنا سفن الأعمار ماخرة
بحر الوجود ولا تلقي مراسينا
علي محمود طه
ليت شعري أهكذا نحن
في عباب الى شواطئ غمض
ونخوض الزمان في جنح ليل
أبدي يضني النفوس ويمضي