بغداد / الكتاب

شوقي عبد الامير

عندما أُطفئتْ أضواءُ المعرض الساعةَ التاسعة مساءً كان الزوّارُ مازالواُ محشدينَ في الممرات وأمام ستاندات الناشرين وكأنهم يستضيئونَ بنور الكتبِ التي تملأ الرفوف واكياسَ النايلون التي يحملون ..
معرض بغداد للكتاب مختلف تماماً عن العام الماضي بالرغم من أنه شغل المساحة نفسها الاّ أنهُ هذا العام اكثر احتشاداً ناشرينَ وزائرينَ ومؤلفينَ عرباً وأجانبَ.. حدثٌ يحمل الكثير من الدلالات؛
أوّلها أننا نستطيع ــــ إذا أردنا ـــ أن نصّوب المسار وان نستفيد من التجارب ونأخذ بعين الاعتبار الانتقادات الايجابيّة التي تهدف البناء والتطوير وهذا أمر في غاية الأهمية على المستوى الثقافي كما هو الحال في جوانب الحياة الأخرى ،
ثانيهما ؛ أن تعافي بغداد أمنيّاً وسياسيّاً وتطور مسيرة استعادة العراق لدورهِ الفاعل والاساسي في المنطقة والعالم ينعكسُ على هذه النشاطات التي تشكل محراراً لحركة الفكر والابداع داخل العراق من جهة ولعلاقات التواصل مع الدول العربية وحضور العراق الثقافي بشكل عام من جهة اخرى .
ثالثهما؛ أن تنامي حركة التأليف والنشر يُؤشّرُ هو الآخر الى تطورالانتاج الثقافي وديمومتهِ وهو مايوُحي بأن ينابيع العطاء مازالت تتدفق في مختلف الميادين بالرغم من أن العراق يواجه أعتى هجمات الإرهاب والتطرف التي استنزفت وتستنزف الكثير من طاقاته البشرية والمادية .
طبعاً ، مازال المعرضُ عراقياً بامتياز ، أي أن حضورَ الأدباء والمفكرين والكتاب العرب ينتظر الكثير وليس نجاحُ هذا العام الاّ رسالةً ناصعةً وحميمةً الى جميع المبدعين العرب أن بغداد تنتظرهم وتدعوهم الى خيمتها التي تأتلَق كل عام اكثر واكثر .
ثُمَّ إن الجميع يعلم ، وهذا واضح بجلاء أن معرض بغداد يتمتع بحرية مطلقة لتوزيع وعرض كل الكتب دون التدخل الرقابي الذي يَفرض أحياناً على الناشرين خطوطاً حمراء وقوائمَ مؤلفينَ ممنوعينَ كما يحدث في بعض المعارض العربية..
أن معرض بغداد يُشكل شاشةً للحياة الديمقراطية و التعددية السياسية التي ينعمُ بَها العراق والتي دفعَ ويدفعُ ثمنها باهضاً ، الا انها تظلُّ الشرطَ الاساسيَّ لبناء ثقافة مزدهرة ومتطورة…
للكتاب في بغداد حضوٌر خاص ، حفاوةٌ دائمةٌ وعشقٌ قديم .. إنه شريانٌ يمتد من بغداد العباسيّة في سوق الورّاقين الى يومنا . إنه معرض « الورّاقين» قبل ألف عام والذي لم يزل سوقاً للكتاب « سوق السَراي» المجاور لأول جامعة في العالم « المستنصريه» ، وهو اليوم معبد « الحجيج» الثقافي كل جمعة في شارع المتنبي .. الظاهرة التي لامثيل لها في كل مدن العالم ..
لكن المأساة ـــــ واقولها بمرارة ـــــ أن الكتاب خارج شارع المتنبي وخيمة هذا المعرض السنوي لأيُوزّع .. لايوجد موزعون مهنيون للكتب ولاتوجد مؤسسة حكومية تُعنى بهذه المهمة التي أصبح غيابها يهدد تواصل حياتنا الثقافية .. لأن العراق ليس بغداد ومن هنا أهمية التوزيع إلى كل انحاء الوطن؛ كما أن الحاجة الى الكتب تتجاوز هذه الايام المحدودة في العام والتي يزدهي بها معرض الكتاب ..
إنني أطلق ندائي الى جميع الجهات المعنية الحكومية منها والاهلية مؤسسات ٍ وأفراداً أن تجد حلاً ، ليُسهمَ الكتابُ -عبر إيصاله لكل القراء في المدن والقرى في عموم الخارطة -في البناء الديمقراطي والمجتمع المتحضر .