بغداد بلا «صبّـــات»

يوسف المحمداوي

الحكومة تطلق سراح العاصمة بعد سنوات من السجن الإجباري خلف الآلاف من الحواجز الكونكريتية، وهي بهذا القرار الذي أسعد قلوب العراقيين، أعطت رسالة واضحة للقاصي والداني بأن زمن الإرهاب ولى مع عصابات داعش، ولابد من إعادة ملامح بغداد إلى سابق عهدها ورقيّها الذي كانت عليه دار السلام، فقد كانت عنواناً لقصائد الشعراء بصورها الجميلة وتاريخها العريق وقِبلة ألوان الرسامين بحكاياتها الشعبية وفتنتها التي لا تضاهى، نعم عادت بغداد بعد أن عاشت سنوات من العزل الكونكريتي لشوارعها ومناطقها وأسواقها ودوائرها ومتنزهاتها وساحاتها عن مواطنيها المولعين بعشقها الأزلي الذي لايضاهيه عشق آخر، فالمباني بعد أن خلعت زيها الخراساني عانقت عيون الناس بحلة الأصالة والثراء العمراني الجميل لتصرخ القلوب بالنقاء والصدق بغدادنا «بلا صبات».

رفع (70) ألف حاجز

شرطي المرور محمود حسن بين لنا فرحته برفع تلك الحواجز الكونكريتية التي كلفت العراق مليارات الدولارات بسبب الإرهاب المستورد علينا من الخارج، وأكد أن رفعها جعل هناك إنسيابية في حركة السير ولو بعض الشيء، خاصة بعد فتح مئات الشوارع التي كانت مغلقة، وأوضح حسن أن الزحام الموجود حالياً يعود سببه إلى الاستيراد العشوائي للعجلات، مبيناً أن الطاقة الاستيعابية لشوارع العاصمة هي (300) ألف عجلة، في حين عدد المركبات الموجودة حالياً فيها ثلاثة ملايين عجلة وهذا ما يسهم في بقاء الزحام بحسب قول حسن.
هذا وقد رفعت الحكومة العراقية قرابة (70) ألف حاجز كونكريتي كانت تحيط بالدوائر الحكومية والأحياء السكنية التي نصبت بعد العام 2004 لحماية تلك المباني، وأعلنت قيادة عمليات بغداد في بيان لها» أن إزالة تلك الحواجز أدت إلى فتح ألف شارع في مدينة بغداد لتسهيل الحركة المرورية، مؤكدة أن العمل مستمر لفتح جميع الشوارع في العاصمة.

في السياق نفسه أعلنت أمانة بغداد في بيان لها عن رفع الحواجز الكونكريتية من محيط نصب الشهيد، مبينة أن الحملة تضمنت إدامة القالب الجانبي وصيانة الشوارع القريبة من النصب، إضافة إلى زراعة وتشذيب للأشجار، وتم كذلك رفع الحواجز المحيطة بالجامعة التكنولوجية، وهذا ما أثلج صدور طلبة ذلك الصرح العلمي المهم .
علي صباح أحد طلبة تلك الجامعة أكد بأنه وجميع الطلبة حين كانت الجامعة محاطة بتلك الكتل كانوا يشعرون وكأنهم داخل أسوار سجن وليس جامعة، واليوم وبعد رفعها تولد لدينا شعور بالفرح لايمكن وصفه وكأننا وبناية الجامعة اطلق سراحنا من سجن وتمنى صباح ان تزال كل تلك الحواجز التي كلفتنا مليارات الدولارات.

السبب في فقدان
العلاقات الحميمية

الشيخ فلاح حسن أحد وجهاء عشيرة «بيت خليفة» أكد أن تلك الحواجز كانت السبب الرئيس في تراجع العلاقات الاجتماعية بين أبناء القبيلة الواحدة والأصدقاء في المناسبات المفرحة والمحزنة، فزيارة المريض من قبل الضيوف كانت واجبة عند البغداديين، لكن وجودها شبه معدوم بوجود ذلك العائق الذي افلحت حكومتنا بإزالته لكون الضيف يحتار بركن عجلته في ظل الشوارع الرئيسة والفرعية المغلقة، لذا تجد الضيف يكتفي بالمكالمة الهاتفية للاطمئنان على قريبه أو صديقه، وهذا ما افقدنا العلاقات الحميمية التي كانت حاكمة وسائدة في تقاليد البغداديين بحسب رأي حسن، وتمنى حسن في نهاية حديثه أن تعود تلك الروابط الوثيقة والتقاليد المعبرة عن التآلف والتكاتف إلى مجتمعنا بعد إزاحة تلك الحواجز والاستفادة منها في وضعها على حدودنا مع الدول المجاورة.
الموظفة في احدى دوائر وزارة التربية زينة محمد تقول: كانت معاناتنا من تلك الحواجز هي في قطع الراتب نهاية كل شهر، والسبب الرئيس في ذلك هو وصول الموظف متأخراً جراء الزحام المروري في شوارع العاصمة، لكن بعد رفعها أصبحنا نصل للدوام من غير تأخير على الرغم من جلوسنا من النوم في وقت متأخر اذا ما قورن في نهوضنا المبكر مع وجود تلك الحواجز التي شوهت صورة بغداد الجميلة بحسب قولها.

وزارة الدفاع القديمة

بناية وزارة الدفاع القديمة بعد رفع الحواجز عنها ظهرت جمالية وفتنة العمارة البغدادية القديمة وظهرت الابتسامة ليس على ملامح جنودها بل حتى المواطنين الذين يمرون بجانبها وبعض الذين تقع بسطيات أرزاقهم في الجهة المقابلة لتلك البناية التاريخية .
محمد سالم أحد باعة ملابس الأطفال وهو يفترش الرصيف يقول: كنا بالأمس لا نرى من البناية سوى تلك الحواجز التي تذكرنا بالإرهاب وويلاته، في حين نشعر اليوم بعودة وجه بغداد الحضاري والتاريخي خاصة وان تلك البناية كما يقول سالم تؤرخ لحقبة تاريخية مهمة لأحداث كبيرة وكثيرة، اليوم نشعر بالسعادة ونحن نرى دوائرنا ومصارفنا تتخلص من ذلك الوحش الذي ترعبنا رؤيته على حد وصفه.
العسكري الواقف على الباب والذي رفض ذكر اسمه لمنعهم من التصريحات والحديث للإعلام، أكد أن جميع المواطنين يشاركوننا فرحة هذا الحدث الذي جاء بعد الانتصار على الإرهاب، ونشعر اليوم بعد رفع تلك الحواجز بأننا تخلصنا من كابوس لا يختلف عن كابوس حظر التجوال في بغداد الذي سرق منا ليل بغداد لسنوات، اليوم الفرحة اكتملت فلا يوجد حظر للتجوال ولا حواجز كونكريتية ارهقت موازنة البلاد وقلوب مواطنيه بحسب قول العسكري التابع لفرقة المشاة (11) والتي مقرها تلك البناية.

«الصبّات» وحكايتها

حكاية الحواجز الكونكريتية بدأت منذ العام 2004 وكانت تصنع من قبل عشرات الشركات المحلية، وما يؤكد بانها ارهقت الموازنة هو تصريح إعلامي لمدير شركة كردية وهو «هيرش خوشناو»:» انه بلغت قيمة العقد المبرم بين شركته والحكومة العراقية أكثر من مليار دولار مبيناً ان سعر الحاجز الواحد بحسب نوعه وحجمه يتراوح مابين 180_2500 دولار، وبين خوشناو ان معمله توقف عن الانتاج بعد تراجع الطلب عليها «، هذه شركة واحدة وهذا المبلغ الذي كلف الدولة فما بالك في عشرات الشركات التي ابتلعت كل تلك المليارات من الدولارات، ومع ذلك نقول الحمد لله الذي جعلها في خبر كان كصاحبها الإرهاب.
أكد صاحب احدى الصيدليات ان صيدليته كانت شبه مغلقة والسبب وجودها خلف احدى الحواجز الكونكريتية في منطقة الطالبية، مؤكدا ان العديد من الصيدليات تم غلقها من قبل أصحابها بسبب تلك الحواجز لكونها لا تفي حق استئجارها، لكن بعد ازالة تلك الحواجز تحرك السوق وأصبح الزبائن يترددون على تلك المواقع المكشوفة والواضحة للعيان، يشارك الصيدلاني الرأي صاحب السوبرماركت جليل اسماعيل الذي أكد لنا ان محله كان غير موجود وتم افتتاحه بعد إزالة تلك الحواجز التي كانت تعيق حركة التبضع ووصول المواطنين إلى محال التسوق، ويرى اسماعيل ان حركة السوق بصورة عامة ستزدهر في ظل اختفاء تلك الحواجز من شوارعنا وهذا الأمر يسهم حتى في توفير فرص العمل خاصة وان أغلب الأسواق الشعبية التي كانت محاصرة بتلك الحواجز فتحت وباتت سهلة المنال لجميع المتبضعين.

الخلاص من المرأب الأهلي

فارس حسين أحد سائقي سيارة أجرة أكد ان فتح الشوارع الفرعية داخل الأحياء اسهم مساهمة فعالة بخلاصنا من المرائب الأهلية الذي نودع فيه عجلاتنا وندفع له في كل ليلة ثلاثة آلاف دينار لكون الحواجز الفرعية تحرمنا من وضعها في مرأب البيت، ورفعها سهل لنا العديد من الأمور مثل ايصال أولادنا صباحا لمدارسهم، ايصال العائلة من البيت الى السوق لغرض التبضع، وفتح الشوارع الرئيسة سهل من عملنا كسائقي أجرة من خلال انسيابية السير، وسرعة الوصول الى وجهتنا، بعد رفع ذلك الكابوس الكونكريتي من شوارعنا ومناطقنا وأسواقنا ومصارفنا التي كنا لا نراها الا من خلال حرس المصرف كما يقول حسين .
السائق الحكومي محمد نور يرى ان رفع تلك الحواجز جعلني اجلس من النوم الساعة السادسة بدلا من الخامسة فجرا للذهاب بالموظفين للدائرة، مبينا ان فتح العديد من الشوارع الرئيسة اتاح لنا الوصول بالوقت المطلوب للدوام الرسمي، فضلا عن كونه وفر لنا الترشيد في عملية استهلاك الوقود والدهون، وتمنى نور ان يعقب هذا الحدث المهم فتح شوارع جديدة واقامة الانفاق والمجسرات للقضاء على الزحام نهائياً، وكذلك ايقاف الاستيراد العشوائي وتسقيط الموديلات القديمة التي تشوه الشوارع بوجودها بحسب قوله.
بائع للفواكه والخضار في سوق باب المعظم ذكر ان رفع الحواجز عن الشوارع والمحلات هي حالة يجب ان تنتهي مع نهاية مبرر وجودها في بغداد الا وهو الإرهاب، وتمنى البائع الذي يأتي ببضاعته أحيانا من المحافظات ان تلتفت الحكومة إلى مداخل بغداد لكونها غير لائقة بعاصمتنا الجميلة وتحتاج إلى اهتمام كبير من قبل المسؤولين.
اليوم وبعد رفع تلك القضبان الكونكريتية عن صدر بغداد يحق للقلوب والعيون والألسن ان تغني مع بلبل الصباح « فيروز»: بغداد والشعراء والصور…ذهب الزمان وضوعه العطر….يا ألف ليلة يا مكملة الأعراس…يغسل وجهك القمر».