بين السلّم البابلي ونظرية الأجناس

اعداد وترجمة : حربي محسن عبدالله

جاء على لسان الراوي في رواية (الدكتور فاوستوس) لتوماس مان: إنَّ الموسيقى والكلام ينتميان إلى عالم واحد، إنهما في واقع الحال شيء واحد، اللغة موسيقى، والموسيقى لغة، إذا فصلناهما عن بعضهما نرى أن كلاً منهما تلجأ إلى الأخرى، وتحاكي الأخرى، وتستعمل أدواتها. أما كيف أن الموسيقى يمكن أن تكون خطاباً لغوياً، وأن يُنظر إليها ككلمات، فقد كان {أدريان ليفركون- بطل الرواية} يؤكد لي أنَّ بيتهوفن كان يُنظر إليه كمؤلف كلمات. «ماذا يكتب في دفتره؟» هكذا تساءل أحدهم. «إنَّه يؤلف»، «لكنَّه يكتب كلمات، وليس نوطات». نعم تلك كانت طريقته، كان في معظم الأحيان يدوّن بالكلمات أفكاره عندما يؤلف مقطوعة موسيقية، وفي أفضل الأحوال كان يضيف بضع نوطات هنا وهناك.

استناداً إلى نظريات سابقة، اتَّخذت الموسيقى مفهومها «الجمالي» عندما تمّ تمييز المسافات الصوتية بوضوح. أما الكلام فهو تعاقب أو تلاحق ألفاظ ذات درجات صوتية مختلفة. وهذا التمييز بين الموسيقى والكلام، وفي إطار هذين التعريفين، لا ينسحب على الموسيقى البدائية، لأن هذه الموسيقى – البدائية – تستعمل مختلف المصادر الصوتية، دون استثناء، كالهمس، والكلام، والهمهمة، والغناء، وحتى الصراخ. كما أنَّ أي أداة من شأنها أن تحدث إيقاعاً تصبح «آلة موسيقية» في يد الإنسان البدائي. وهذا يعني أن الحدود غير موجودة بين ما هو موسيقيّ وما هو غير موسيقيّ لدى الإنسان البدائي. وكما يقال: ليست هناك علاقة تطوُّريَّة بين الموسيقى النغمية أو المقامية والموسيقى اللانغمية أو اللامقامية. كلتاهما كانتا متداخلتين منذ أزمنة بعيدة جداً. ولا شك أنَّ الموسيقى النغمية كانت تزيح الموسيقى اللانغمية بالتدريج، لكن هذه الأخيرة بقيت لها آثار حتى في الحضارات المتقدمة. لقد استخدم الإغريق المصطلحات الموسيقية في وصف صحّة الإنسان وأحواله وحياته، فالسعيد عندهم، «قيثارة متَّسقة الأنغام» والمتوتر الأعصاب «مشدود الأوتار»، والمعتّل «مقطّع الأوتار». وكانت حكومات اليونان بكلِّ ما تحمله من تقدير لمكانة الموسيقى تعد قواعد الموسيقى وتنظيمها من مهام الدولة. وتهب الموسيقيين مكانة مرموقة في الحياة. حتى وصف الشخص المثقف بأنه إنسان موسيقي في حين قيل عن غير المثقف بأنَّه «غير موسيقي» .أهم ما أسهم به الإغريق في مجال الموسيقى، هو اكتشافهم الخالد للقيم الرياضية للأبعاد الموسيقية الميلودية التي قام عليها الأساس الحسابيّ لنظرية الموسيقى، الذي ربطوا بينه وبين الظواهر الطبيعية والكونية. ويعود الفضل الأوّل للفيلسوف الرياضي فيثاغورس (582-507 ق.م) المولود بجزيرة صاموس الذي طاف بلاداً عدة، وأقام طويلاً بمصر ثم استقرَّ بمدينة تدعى «كروتونا» بايطاليا وأسَّس بها مدينة هامّة للعلوم الرياضية. وقد قام بتجارب في علم الصوت لاستخلاص صيغ رياضية تُرد إليها جميع العلاقات الفيزيائية، ولعلَّه استخدم مطارق وسنادين مختلفة الأحجام أو آلة ذات وتر واحد مشدود إلى صندوق صوتي، يرتكز الوتر فيها على قنطرة خشبية متحرِّكة تحدِّد طول الوتر واختلاف درجة رنينه. ولم تلبث أن ظهرت ثلاثة سلالم موسيقية أغريقية هي:* السلّم الدياتوني ( المنتظم ).*السلّم الكروماتي (الملون أو المنزلق).*السلّم المتعادل (الترادفي). وفي القرن الثاني قبل الميلاد قدّم فيثاغورس سلَّماً موسيقياً كاملاً مختلفاً مؤلفاً من سبع درجات وهو  يشابه إلى درجة كبيرة السلم الغربي الحديث، واليوم أصبحنا نعرف أن فيثاغورس ليس مبتكر هذا السلم بل قد أخذه عن مصدر شرقي أقدم بكثير فقد وجد هذا السلم في بلاد الرافدين في القرن التاسع عشر قبل الميلاد، حيث عثر على رقم فخارية في أور وآشور توضح كيفية استخراج هذا السلم على الكنارة سباعية الأوتار (والكنـــارة هي إحدى أقدم الآلات الموسيقية ولا تختلف عن القيثارة إلا القليل، بل غالبا ما يطلق الموسيقيون نفس الاسم على الآلتين معا). والكلمة في العهد القديم تعني القيثارة. وقد اكتشفت في المقبرة الملكية في (أور) الكلدانيين وهي من اختراعهم وتتكوَّن من صندوق صوتي ذي إطار غير منتظم الأضلاع تتراوح عدد أوتارها ما بين ثمانية وأحد عشر وتراً، وتغمز بالأنامل لا بريشة الغمز) ، وكذلك كيفية القيام بتصوير السلالم الموسيقية فيما يعد إنجازاً مدهشاً، فقد كان سلَّمهم العام (الحاوي على جميع التَّصوُّرات الممكنة) مؤلفاً من ثلاث عشرة درجة (اثنتان منهما قريبتان جداً من بعضهما) وهو يشابه إلى درجة كبيرة السلّم الغربي الحديث المؤلف من اثنتي عشرة درجة موسيقية. لقد انتشر السلّم البابلي قديماً في العراق وسوريا وفي الشرق حتى وصل إلى الحضارة الصينية وكذلك وصل إلى الإغريق عبر الساحل السوري وربما عبر أوغاريت التي أعطتنا أقدم رقيم يحوي قطعة موسيقية وهي تعد أقدم قطعة موسيقية معروفة في العالم. نأتي الآن إلى تعريف الجنس الموسيقيّ، الجنس الموسيقي هو ثلاثة أبعاد موسيقية متجاورة تحيط بها أربع درجات موسيقية ويشكل مجموع هذه الأبعاد بنسب التردد 4\3 أي يماثل المسافة بين درجتي (دو وفا) ويتمّ تشكيل معظم سلالم الموسيقى الشرقية من جنسين ومن بعد طنينيّ (مثل المسافة بين درجتي فا وصول) يسبق الجنسين أو يفصل بينهما أو يتلوهما، مثلاً سلّم الراست يتألف من جنس مؤلف من الدرجات “دو ره مي فا” يدعى جنس الراست ومن بعد طنينيّ بين درجتي فا وصول ومن جنس الراست أيضاً بين الدرجات “صول لا سي دو”. اعتمدت الموسيقى الأوروبية على السلّم البابلي وذلك تأثراً بالبابا غريغوريوس الذي نقل الألحان الكنسية الثمانية القديمة من الشرق إلى روما ومن ثم دخل ما يسمى بالسلّم الطبيعي إلى الموسيقى الغربية تأثراً بصفي الدين الأرموي عبر الحضارة العربية في إسبانيا ومن محاولة إيجاد حلّ وسط بين السلّمين وتحقيق سهولة العزف نشأ السلم الغربي الحديث المعدّل. الجنس الموسيقي ظهر قبل وجود السلّم الموسيقيّ الكامل بفترة طويلة جداً (على الأقل في الحضارة الإغريقية) وذلك لأنَّ الكنارة الإغريقية القديمة كانت مؤلفة من أربعة أوتار فحسب تنقر نقراً بدون حبس، أي إنَّ السلم الموسيقي لم يكن سوى أربع درجات وكانت تشكّل جنساً حيث كان الوتر الرابع يتم ضبط دوزانه بحبس ربع الوتر الأول والنقر عليه، أي إنَّ تردد الوتر الرابع يساوي 4\3 تردد الوتر الأول. الوتران الثاني والثالث الذين يقع ترددهما بين ترددي الوتر الأول والرابع من الممكن أن يتم ضبطهما بطرق كثيرة مختلفة. طبعاً كانت الموسيقى في هذه المرحلة محدودة جداً بسبب صغر المجال اللحني، يذكر أنه في نحو منتصف القرن السابع قبل الميلاد قام الشاعر والموسيقي الإغريقي ترباندر بوضع جنسين متلاصقين معاً ليشكل سلماً أكبر مؤلفاً من سبع درجات. إذن أصبح لدينا هنا التقاء لنظريتين مختلفتين للسلّم الموسيقي؛ نظرية الجنسين المتلاصقين ونظرية السلّم البابلي القائمة على البعد الطنيني ومن محاولة التوفيق بينهما ظهرت نظرية تركيب السلالم الموسيقية من جنسين وفاصل طنينيّ حيث إنَّ هذه النظرية تستطيع شرح كل من السلم البابلي والسلم المؤلف من جنسين متلاصقين، فالسلم الموسيقي أصبح مركّباً من جنسين ومن بعد طنيني وقد يقع البعد الطنينيّ قبل الجنسين أو بينهما أو بعدهما.