تاريخ الشعر تاريخ الشعراء

قاسم سعودي

« بين نهرين» تطلق سؤال التاريخ الشعري ومتطلباته الشعورية والإنسانية، محاولة منها فتح مصابيح أكثر للوعي الجمالي في ظل السرعة الفائقة لتطور آليات الكتابة الشعرية وما يرافقها من حمولات فكرية، فكانت هذه النافذة مع عدد من الأصوات الشعرية الشابة والمثابرة في المشهد الشعري العراقي.

الشاعر كريم جخيور : مع أول انزياح في التعبير بدأ الشعر، وهذا بالتأكيد قبل أن تبدأ الكتابة بأقدم أشكالها وبمعنى أوسع استطيع أن أقول إن الشعرية بمصطلح تودروف بدأت ربما حتى مع الإيماءة والإشارة في التواصل البشري والتخاطب، بل وقبل هذا الشعرية ابدعها الكون بتكويناته والطبيعة بمشاهدها الخلابة قبل أن يبدأه الانسان، لهذا فلا بدء للشعر إلا مع بدء الخليقة ولا منتهى إلا معها. ومن الطبيعي أن أي شاعر حقيقي إنما يحمل في جيناته كل موروثات أسلافه خاصة المكتوب والمقروء منها، ولا يقع في فخاخ الوهم والتضخم الفارغ إلا من كان نسخة مزورة من الشعراء. الشاعر الحقيقي المبدع هو خلاصة لأحلام المجتمع والبيئة والعالم كله ولذا لن يكون إلا حقيقيا صادقا بفنه وما يبدعه من شعر. ومن هنا فإن تاريخ الشاعر هو مختصر مكثف لتاريخ الشعر كله، وليس العكس، وأعني هنا الشاعر الحقيقي لا غيره من الناظمين او المستنسخين، وهكذا شعر متوهج بالحقيقة ومشكل بالفن المدهش الجميل له دور أساس في الارتقاء بانسانية الإنسان وانقاذه من براثن التدني والتردي وما شاكل من توحش وتفنن في القباحة وتزويقها.

الشاعر مهند الخيكاني أرى أن الشعر ينقسم إلى قسمين، الأول عندما يكون الشعر حالة وجودية خارج أطر وآليات الكتابة، أي قبل ان تترجم إلى كلمات ونصوص، وفي ذلك إشارة إلى أن الشعر تاريخيا يرتبط بتاريخ الأفكار المحلقة الأولى ويرتبط في هذه النقطة ايضا، بكونه يمثل كل شيء جميل ونبيل في الحياة، فنقول عنه: إنه سلوك شعري. واعتقد بأن تاريخ الشعر سابق على تاريخ الشاعر، على اعتبار ان التفكير والمخيال سابقان على الفعل الشعري، سواء كان شفاهيا أو مدونا. الشعر ينقذ من يعيه اولا ثم يحبه ثانيا باختصار. وما الحياة سوى تلك اللحظات العابرة والوامضة من الجنون والانعتاق.

الشاعر إيهاب شغيدل في الحقيقة أن الشعر وفقا لعالم الأرقام والدعاية والاشهارية واتساع العلوم والمعارف، يمكن تصوره على أنه وهم شخصي كما يتوهم بائع الزجاج أنه يجرح الحياة، يتوهم الشاعر أنه بائع المجاز الذي يجرح اللغة، لكن الشعر تاريخ الإنسان والحجارة والمياه، إنه ملاكمة مع الذات والآخر والغيب واللغة، ولا يمكن المضي قدماً دون الخروج من الأغراض القديمة وكسر صورة الشاعر العربي التقليدي، وهو يقف أمام الملك أو الخليفة. إنها لحظة ملائمة كي يقف أمام حقيقته في ظل انحسار الشعر، واصبحت لدى السلطة منابع أخرى ترضي بيها أوهامها وتعزز بها حضورها.

الشاعر مصطفى الخياط لا أحد يستطيع أن يضع تاريخاً محدداً لميلاد الشعر ولا حتى مكان نشأته فهو أمر في غاية الصعوبة لكن ما وصل إلينا من أخباره في كتاب الحيوان للجاحظ إذ يقول : «وأما الشعر فحديث الميلاد، صغير السن، أول من نهج سبيله وسهل الطريق إليه امرؤ القيس بن حجر ومهلهل بن ربيعة « هذا في ما يخص بدايتهِ، أما ما يخص نهايتهِ فلن ينتهي. حتماً نسقط في الوهم والعزلة، نسقط مثل دموعٍ بدينةٍٍ، لكن السقوط في المديح فهو أمر يخص طبيعة الشاعر لا الشعر. للشاعر تاريخ شعري لكن لايمكن أن يكون تاريخاً للشعر. إن للشعر طاقة سحرية عجيبة، ومعالجات مهمة للانسان وقضاياه وبالتالي فهو قادر على إنقاذ ما يمكن إنقاذه وهذا ما نجده في بعض صوره المدونة إذ له الكثير من التأثيرات الواضحة على العصور السابقة التي ذكرت تاريخياً وهذا يتركز بالأساس على أفكار الشاعر وطبيعتهِ والحياة التي يعيشها. سحر اللحظات والجنون والمغامرة أمر لا بد منه.

الشاعرة نورس الجابري خُلق الشعر كمادة لا يمكن التنبؤ بمصدر نشأتها أو السيطرة عليها لتنتهي عند نقطة معينة، أتخيله يجري على مر العصور دون توقف، ويمكننا أن نمشي على جسوره الممتدة أو نكتشف جسورًا أخرى، وممرات سرية وأماكن جديدة لم يتم تسميتها بعد وهنا يكمن الإبداع في خلق عوالم أخرى ربما ستكون مرجعًا ذات يوم، ولو تحدثت عن تاريخ الشعر سأخبرك إنه شاعر حقيقي، أما تاريخ الشاعر فهو نصوصه الخالدة ويمكن أن يُخلد الشاعر عبر نص واحد فقط وهناك الكثير من الشعراء بلا تاريخ، فالشعر هو حالة إنسانية وجدانية في اول الأمر وهو وسيلة للتعبير عن الانفعالات والعواطف فلا أجد في الجنون والمغامرة أمرًا معيبًا اضافة إلى ذلك أجد أن بإمكاننا التحرر من القيود السائدة، ومن أنفسنا عبر كلمة، فقط تخيل معي كيف يمكن لكلمة أن تحررك منك ومن تلك القيود ستؤمن عندها بأمكان كلمة انقاذ عالم وهذه طاقة الشعر السحرية.

الشاعرة مسار الياسري إن إيقاد الشمعة الاولى للقصيدة الحقيقية تعد بمثابة ولادة لتأريخ الشعر وبدايةً تأخذ الشاعر الحقيقي إلى دروب القصائد المخضرّة بالجمال والإبداع والتفرّد، ولأن لكل بدايةٍ نهاية فللشعر كما لغيره من المكوّنات أسباباً تفضي به إلى دروبٍ مغلقة وأبوابٍ موصدة، فالتأريخ الذي لا يحفل بالحقائق الإبداعية تأريخ يستحق التمزيق، وكذا الشعر ينتهي تأريخه إن لم يتعكز على اجتهاد و مثابرة ومواكبة النص الحداثوي وغيرها من الجماليات التي تحكم النص، وبالطبع تختلف القصائد باختلاف زمكانيتها ومناخ القصيدة تحدده تجربة الشاعر وروحه والمنعطفات التي مر بها، فمن القصائد ما خلدت ومنها ما ذهبت مع الريح إلى غياهب، حيث يمثل الشعر عصارة النبض ويعد آخر قطرةٍ في قارورة قلب الشاعر. الشعر هوية الشاعر ولغته ودستوره لذا كل قصيدة تمثل حرفاً تعريفياً من حروف اسم ذلك الشاعر لتجتمع القصائد مكونةً تركيبة تشير إلى لون الشاعر وتأريخه. من ليس مجنوناً فهو ليس شاعرا. ان ارتباط الجنون بالشعر امر لابد منه فالقصيدة التي تميل إلى العقلانية المفرطة أشبه ما تكون بالكلاسيكية التقليدية التي لا تستفز المتلقي ولا تحرّك فيه أثاث الروح المغطى بالغبار. القصيدة المجنونة هي التي نواجه بها أنفسنا لانها تقول ما لا يقوله غيرها وهذا ما نحتاجه اليوم في ظل الكم الهائل من القصائد على اختلاف ألوانها وأجناسها، علينا أن ننسج الجديد الذي يضفي نكهاتٍ مختلفة وجديدة لتركيبة الشعر السحرية لنضيف ما هو جديد لمعنى الحياة.