تحفة المخرج الياباني هيروشي تيشيجاهارا امرأة على الكثبان

رؤيا سعد

«فجأة تدفق في أعماقه أسى بلون الفجر، بمقدورهما على حد سواء أن يلعق أحدهما جراح الآخر، لكنهما سيظلان يلعقان إلى آخر الدهر، ولن تبرأ الجراح أبداً، وفي نهاية المطاف سيهترئ لسان كل منهما»

الكاتب الياباني كوبو آبي

بقيت السينما اليابانية على مدار تاريخها ولحد الآن أحد الفنون التي عكست واقع المجتمع الياباني بكل دقة وقوة من حيث تقاليده, تفاصيله وعلاقاته, وتطوراته, فهي الصدى المعبر لمشاعر وفكر الفرد الياباني ذاك الصدى المعكوس بشكل مباشر على الحالة الاقتصادية التي كان لها تأثيرها ليس فقط على صناعة السينما وشح الانتاج, بل أيضا على ظهور واختفاء تيارات ونوعيات محددة من الأفلام, على المستوى نفسه حيث تركت الحرب تأثيراتها في المنظومة المجتمعية وتقدمها, لكن هذا ليس هو السبب الحقيقي الى لجوء العقليات اليابانية الى التجريب، فالعقلية اليابانية الحديثة من خلال السينما اليابانية نرى أفرادها في صراع مستمر بين القديم والحديث الرافض للتقاليد الأسطورية البالية مع طفو الفكر التقدمي المتحرر على أنماط التفكير للأجيال الحديثة، والذي من خلاله ندرك رفضها لتلك المقومات الفكرية السلبية التي تكتنف الشخصية اليابانية وانتقادها لظواهر اجتماعية أصبحت غير مقبولة، لتظهر تلك الأفكار التجريبية جلية في السينما لاسيما في أفلام المخرج الياباني ( هيروشي تيشيجاهارا ) المقل جدا في نتاجه السينمائي، لكن أفلامه تمتاز بخصوصية اللمسة المتفردة التي تصنع هويته الخاصة ليمثل شكل الغرابة والدراما والعمق الكبير في الطرح، هذا المخرج لم يصنع غير أفلام معدودة بمزاج خاص، وأغلبها مأخوذة من روايات للكاتب الياباني كوبي آبي الذي رشح لأكثر من مرة الى جائزة نوبل للآداب وقد شبه النقاد اسلوبه الواقع تحت تأثير الحداثة باسلوب الكاتب الايطالي «البرتو مورافيا». في بداية ستينات القرن الماضي تعاون معه المخرج هيروشي لأكثر من مرة في تحويل أعماله الأدبية الى أفلام سينمائية مثل رواية الوجه الآخر وخريطة مدمرة، ورواية امرأة في الكثبان ( فيلم عام 1946 ) هذه الرواية ذات البعد الإنساني الكبير، وظفها الفيلم من خلال تلك الأبعاد العظيمة في الاقتباس الإبداعي فكان قمة في الرؤية الفنية والبصيرة التعبيرية حيث يحيل امرأة الى تمثال شبه رملي كاستعارة جمالية موغلة في الثقافة الانسانية اليابانية خاصة. فقد عكس المخرج في مشاهد هذا الفيلم ميله نحو التشكيل هدفا منه لهدم سقف التوقعات التقليدية للمشاهد، متخطيا بذلك الطابع الواقعي داخل فضاء شبه سريالي جعل من موضوعه الحقيقي أقرب الى الخرافة داخل مكان غير محدد المعالم يتأرجح بين عالم الأحلام والحقيقة، فعندما نتأمل سلسلة المشاهد البصرية الكاشفة لعالم غرائبي مسرحه الاساس الكثبان الرملية ليخلق موائمة قلقة بين الصفاء والهدوء وبين مشاعر الحب والنفور والإثارة ونيل الطمأنينة، يحاول المخرج ان يسعى لتحقيق هدفه الاسمى في ربط علاقة بين عالمي الوعي واللاوعي ووضع الانسان في حالة هدنة مع الذات التي تتأرجح نوازعها وميولها بين السعادة والشقاء بواسطة ذاك الهارموني الذي يطغى على خطواته المنجزة التي يتحكم بها باعجاز تام داخل مسرحه الرملي الطاغي بغزارة اللون الابيض والاسود العائمان في غمام النور، حيث أغلب مشاهده مكللة بالفضول المشوبة بلحظات الشك. وكما هي عادة الفرد الياباني الذي يرفض مغادرة وطنه فشخوص الرواية لايحبون مغادرة أماكن اقامتهم، حيث ان مفهوم الوطن لدى الكاتب أشد تعقيدا من وضعه في مرتبة الإدراك او المفهوم القابض أو المؤرِّق، فهو دائما ما يناقش ثيمتين متلازمتين لدى حديثه عن الوطن هما الاغتراب وفقدان الهوية، فقد عالج هذا النزل الآيل للسقوط من ضغط الرمال مقابل الرجل الرافض لسجنة وتلك القرية النائية إلى وطن لهم جميعا، وهنا الامر بدأ بالفقد وانتهى بالعثور. هذا الرجل الفاقد لهويته انتهى به الأمر ليجد له وطنا بين كثبان الرمال ففي تلك الهوة ينقسم العالم بالنسبة لباحث الحشرات الى حالتين حالة السجين المغصوب القابع في الحضيض والمناجي للخروج والنجاة وحالة المرأة الجائعة للألفة، للحب، للطمأنينة المغلوبة على امرها بحكم العادات والتقاليد والجذب الفطري الى المكان. وبرغم صعوبة صياغة الغموض والغرابة في ادارة حبكة القصة سينمائيا إلا أن الفيلم أبدع دراميا في تجسيد الجانب الهزيل لدى امرأة الرمل، فكان وضعها غريبا ومحزنا أحيانا و مربكا محيرا من ناحية استسلامها لهذا الوضع القاسي، لكننا نقف امام روعة المشاهد الأخاذة مثال ذلك هي صيغة النجاة وصيغة المناجي والتي تُوصف لتكون عميقة وقابلة للنظر إلا أننا نرى الوجه الآخر للمثقف المستنير الباحث المحب للاكتشاف الشغوف بالمعرفة والذي يصارع بشكل مستمر التناقضات بين الفكر القديم والحديث الرافض للتقاليد الأسطورية البالية والذي تطفو على أفكاره التقدمية المتحررة، رضوخه للرغبات وبشكل فطري وفِي مشهد مبهر يغوص في التلامس البشري والرغبة الجنسية اللامنفضة، بصفته الانسان الاكاديمي والمتعلم ينزل في تلك الحفرة الرملية الى دون حضيض البشرية ليصف حالتهما بالخنازير حيث لا يتحرج من ارتكاب الاتصال الحميمي الإنساني امام الجموع مهما كانت النتائج من أجل الخلاص من ذاك السجن القسري لوصف السلوك الحيواني البشري بشكل متقن ومعبر، يعد هذا المشهد من المشاهد البليغة عندما يربط المخرج بين الأسطورة والواقع ليظهر عازفي الطبول بأقنعة حيث يروي هذا المشهد قصة خلق اليابان وتأسيسها وكيف أن الآلهة اماتيراسو انزلت حفيدها ( نينجي ) إلى الأرض وثقبت السماء وأنزلت الآلهة السبعة وأخفت وجوههم وراء الاقنعة خوفا من الارواح الشريرة، لكن المخرج يعتمد اعتمادا كليا على تلك النهاية المفتوحة التي تركها لنا الكاتب ليضعنا في حيرة تثير التساؤل عن الاعتياد والاستسلام، هل كان جيمي سعيدا بهذه الهوة من الرمال التي اعتاد عليها وفقا لنظرية ثورندايك التي تعزو تدجين الذات الانسانية من خلال تكرار الفعل اليومي وأن التعلم يمثل ميلا مكتسبا لدى الكائن الحي للاستجابة بطريقة معينة عندما يواجه بمثير معين في موقف ما؟ ام انه وجد لنفسه وطنا روحيا وفكريا بين الرمال