تراتيل الملاك في مسرح الكلمة المرئية

فاضل السوداني

هل يمكن للآلة أن تفكر وتخلق بصريات الجمال؟ وهل تدعم التكنولوجيا الفنية المسرح وتعيده إلى لغته الخالصة؟ أم أنها تهمشها وتسطحها عند استخدام المسرح لوسائل التكنولوجيا كالفيلم والوثيقة والفديو والانترنت وغيرها.
وهذا السؤال هو الذي يحدد طبيعة علاقة المسرح ولغته الخالصة ـ كونه فناً مستقلاًـ بالتكنولوجيا.

أن التجريب في الفن الحداثي يمتلك ضرورته ولا يمكننا أن نحقق هذا ونحن نعيش وسط اليقينيات والتابوات، ولذلك علينا التزام مبدأ الشك في كل شيء وبالذات مع تلك القيم التي لا تتناسب مع روح العصر.
من المعروف إن التجريب والطليعية في المسرح الان هما نتاج لثورات فنية حدثت من الربع الأخير من القرن التاسع عشر وبداية العشرين كالرمزية والدادائية والسريالية وغيرها، وبعد ذلك ما طالب به «انتونين آرتو» بقذف المسرح الأوروبي إلى الجحيم لأنه مسرح مسموع وغير منظور بالمعنى البصري الرؤيوي.
وقد تركزت هذه الثورة التجريبة والطليعية في خمسينات القرن الماضي في شتى مجالات المسرح وخاصة في النص المسرحي حيث كان للمؤلف الطليعي الدور الأساس في خلق أساليب التأليف الجديدة في هذه الفترة وفي المقدمة يونسكو وبيكيت.
ويعد «الفريد جاري» و «أبولينير» و«انتونين آرتو» من الذين مهدوا لثورة النص البصري الذي كتبه بعد ذلك كل من يونسكو وبيكيت وكوكتو وآداموف وجينيه وأدوارد آلبي وغيرهم.
ففي مسرحية اوبوملكا 1896 وابو مكبلا، ثار الفريد جاري ضد المفاهيم البرجوازية وكشف عن عالم مقلوب القيم. وقد لعبت أيضا مسرحية ثديا تريسياس السريالية لابولينير دورها وتأثيرها، وكذلك مسرحية ترستيان تزارا. ومن السرياليين الذين مهدوا لمسرح الطليعة كان روجيه فتراك وريمون روسل إضافة إلى جان كوكتو. والهدف هو( إيقاظ المتفرج وإدهاشه من خلال كشف غير المألوف والخارق للعادة ضمن حياتنا اليومية).ولكن التنظير الأكثر أهمية في التمهيد لمسرح الطليعة في الخمسينات قام به انتونين آرتو ومفاهيمه الفلسفية حول مسرح القسوة.
وبالتأكيد فان جميع الاتجاهات الفلسفية والأدبية الجديدة أثرت على مؤلفي المسرح الطليعي، فالوجودية وخاصة أفكار سارتر بالذات مارست تأثيرها الكبير. ويعد يونسكو وبيكيت حتى الآن من أهم الكتاب الطليعيين، لذا فان دراسة نصوصهما التي هي نصوص بصرية ضد الأدب وشكلت لغة الكتابة المسرحية البصرية المعاصرة.

اللغة البصرية في النص
صموئيل بيكت والنص البصري في زمن الصفر
يضعنا بيكيت دائما من خلال مسرحياته ورواياته، على حافة الهاوية، بل أن جميعها مترابطة تشكل طقوسا جحيمية للقيامة، وبالرغم من هذا فان شخصياته تنتظر الأمل بلا جدوى وحتى ان تحقق فإنها تفضل الهاوية. ان الماضي بالنسية لهم هو الكابوس الحقيقي ومع هذا فهم ينتظرنه حتى وان لم يأت، وهم دائما قلقون لهذا نراهم ينتقلون من كابوس الماض الى آخر حاضر.
وهذا الإحساس في الفراغ أو العدم يدفعهم الى الانتقال من كابوس الانتظار في مسرحية (كودو) الى كابوس الثرثرة والوجود الكاسل او غير المجدي في مسرحية (الأيام السعيدة). أن مثل هذه الشخصيات لا تستطيع العيش في الحاضر بل أن وجودهم هو ماضوي لهذا يضطرون أحيانا أن يستمعوا إلى ماضيهم لأنهم لا يستطيعون العيش فيه حقيقة كما في مسرحية (شريط كراب الأخير).

2) يوجين يونسكو وديناميكية الذاكرة المطلقة للأشياء.
يحاول يونسكو دائما تصيد الكتابة عن عالم قد يبدو غريبا لكنه حقيقي، ولهذا يمكن القول ان الحياة الحقيقية قد تكمن في الأحلام او الكوابيس وعلينا إظهارها او تكبيرها، أي مناقشة جوهر حقيقة الحياة. ولدى يونسكو أن عدم التفاهم وموت اللغة واللامعنى هو الكابوس الذي يتكرر في كل مرة والذي يتحول فيه الواقع الى واقع حقيقي لكنه أكثر كابوسية من الواقع ذاته.
وتعد مسرحيته الكراس نصاً بصرياً، فهذه الأشياء
(الكراسي) والتي ملأ بها المؤلف فضاء المسرح، منحها بعدا استعاريا ميتافيزيقيا آخر بعيدا عن وظيفتها الحياتية، وكل هذا يخلق من المسرح بلغته الخالصة ما يجعل الإنسان (أن يستمع بعينيه أيضاً ).
ولكن النص المسرحي المعاصر بعد ذلك ظل يراوح في مكانه، والعرض المسرحي الآن ابتلى بالتكرار حتى أصبح مملا ووسيلة للتجارة وهامشية الفكر والجمال.
إذ أن ( تطور الثورة المسرحية هذه والحملة التي نادت بمسرح الرؤيا أنتج مسرح المخرج، مما غذت الصور السينمائية والتقنيات فن الاخراج وأصبحت هي المسرح على عكس وظيفتها )

المسرح والتكنولوجيا
يلجأ المسرح والنص المسرحي الأدبي إلى التكنولوجيا ويعتمدان كليا على مكتشفاتها لأنهما يفتقران للغة المسرحية البصرية الخالصة، مما يتم اللجو إلى وسائل أخرى غير لغة المسرح والهدف هو الوصول إلى الحقيقة أو شبه الحقيقة.
أما النص البصري الذي نقترحه بدون اعتماد الوسائل الأدبية في كتابته فانه يرفض مثل هذه الحقيقة لأنه يربط الأحداث والشخصيات ومكونات فضاء المسرح بما وراء حدود الحقيقة. فهو يبغي كشف سر الحياة ذاتها أي الى الجوهر الحقيقي لهذا الواقع الدبق والمزيف.

ان كل الوسائل الفنية التي ابتدعتها التكنولوجيا، كالفيلم والوثيقة والفديو… الخ ونتيجة للاستخدام الخاطئ لم يسهم في تأكيد اللغة المسرحية لفن مستقل والسبب هو أن استخدام الوسائل التكنولوجية يكون مفروضا وتقنيا وتزينيا على النص والمسرح وليس نابعا منه وممتزجا ببنائه الداخلي، مما يخلق الاغتراب وهذا يفرض على الكاتب المسرحي امتلاك القدرة على تكيف الوسائل التكنولوجية لتصبح جزءا من لغة النص وهندسة بنائه المعماري وليس شيئا خارجيا.
وهذا ما يدعونا الى التفكير بالمسرح باعتباره فنا مستقلا مثله مثل الرسم والرقص والموسيقى.

ديناميكية النص البصري
أي نص بصري هذا الذي من المفترض أن ينبئنا بمستقبل العرض البصري ويمتلك الإمكانية في جعل التكنولوجيا جزءا من اللحمة المعمارية لبنائه ؟ وهذا يفرض علينا أن نقترح ما نسمية بالعرض البصري الذي من خلاله يمكن استخدام الوسائل التكنولوجية ولكن بشرط ان تكون جزءا من البناء الدرامي والمعماري للحدث والنص، حتى يتحول ما تنتجه الآلة الى قيمة إنسانية وابداعية وجمالية. فالتكنولوجيا تشكل وسيلة لاغتراب المؤلف والممثل والمخرج والمشاهد إذا استخدمت كوسيلة توضيحية او آديولوجية. أن النص البصري يدعونا الى استخدام الإمكانيات الأسطورية للآلة او وسائل التكنولوجيا الأخرى.
كاستخدام المخرج الالماني ماتياس لانجهوف للفيلم في إخراجه لمسرحية رقصة الموت لسنتدبرج كوسيلة لعرض أفكار وأحلام البطلة «أليس « بطريقة ليست كالتي تستخدم كأنها تكون خارج الحدث وليس في لحمته، وإنما كضرورة مهمة لسيناريو العرض الذي أوحى به النص ذاته. ولهذا كان الفيلم الذي يعبر عن أفكار وأحلام البطلة يمتلك امتداده الوجودي والتاريخي والإسطوري وهذا يشكل بعضا من مهمات المؤلف ـ وليس المخرج وبهذا يتوصل المؤلف إلى الكلمة المرئية.