تراجيديا المكان الصحراوي

د. سعد عزيز عبد الصاحب

ترتبط التراجيديا بالمدونة الصحراوية ارتباطا عضويا، فالأخيرة مكان للاقتراف وآخر للاعتراف وبين الاقتراف والاعتراف يتولد نسيج النص الصحراوي المضمر مبنى ومعنى، وقد تقترح مباني النص الصحراوي شواغلها الدرامية متعالقة مع النص السردي (الروائي) منفتحة عليه مشتبكة معه بتقانات (التناص)و(الاقتباس) وخصوصا في سرديات الليبي (ابراهيم الكوني) والعراقيين (عبد الامير معله)و(عادل عبد الجبار)والكويتي(اسماعيل فهد اسماعيل) والفلسطيني (غسان كنفاني) والسوري (عبد الرحمن منيف) وغيرهم، بأشكال وبنى تتوافر فيها السمات والعناصر الدرامية من حبكة ولغة وشخصيات ومرئيات وبداية وعقدة وحل وحوار… وصولا الى تمركز هؤلاء الكتاب في معظم سردياتهم في بيئة واحدة وهي الصحراء حيث الاحداث في اتون هذا الفضاء الواسع الرهيب اضافة لاحتواء نصوص هؤلاء السراد على (شعرية) في صياغة ابعاد المكان واللغة وخصوصا لدى (ابراهيم الكوني) الذي عالج موضوع الصحراء بكل تجلياتها المضامينية بثيمات (الشرف وغسل العار) و(اغتراب البدوي)و(الصحبة) و(الحب) و(العطش) بأنساق اشراقية وصوفية تدخل في جوانيات المجتمع الصحراوي وخصوصا في روايته الشهيرة (التبر)وتكتنز سردياته لغة داخلية عميقة يستخرج منها (المونولوج) وبرقشات حوارية بين (البدوي)و(ناقته) تضعنا على حافات (ديالوج) من نوع خاص يسأل ويجيب ويستبطن الحدث ويستشرفه، ويعطي انفتاحا كليا نحو الذات المجبولة بالمأساة والمجبولة بالقدر المحدق والاسرار والاشارات والتعازيم والاوشام التي تكتنف حياة الصحراء وناسها من عرافين وقطاع طرق ورعاة ابل وقوافل تائهة وغجر ووجوه ملثمة، يتأسس النص الصحراوي ضمن تكثيفات لغوية وارشادية عجيبة قد تحتاج لراو يشرح او يعلق لانها بلا كواليس او حجب (اعني العرض المسرحي في الصحراء) فالحدث يتمظهر بلا استار ويجد الممثل نفسه حاسر الرأس والجسد منكشفا بأجمعه امام المتلقي لذا قد يحتاج النص الصحراوي لراو او قصخون او معلق او فواصل تفصل بين المشاهد تشرح وتفسر وتسأل وتستشرف تكسر وتقطع يقين السرد تارة وتدمجنا وتماهينا بالحدث تارة اخرى، ولا ضير في ان نأتي بنص كلاسيكي معروف لشكسبير او مارلو او راسين او غوته ونوضبه لبيئة وشخوص واحداث الصحراء كما عمل المخرج العراقي (سامي عبد الحميد) مع نص (هاملت) حين حوله من فضائه الاليزابثي الى فضاء عربي بدوي من خلال قراءته قراءة مغايرة جاءت تحت عنوان (هاملت عربيا)عام 1973.

– القراءة الصحراوية للنص الاليزابثي
يمكن الانفتاح على النص الكلاسيكي وقراءته قراءة صحراوية من خلال الالمام بثيمات وقيم هذه النصوص العاطفية والاخلاقية كالحب والجريمة وتوزيع الارث وغيرها .. لذلك اختار المعد /المخرج (سامي عبد الحميد) في نص (هاملت)ثيمة الجريمة المستترة من اجل السلطة ولكونها يمكن ان تقع في اي (زمكان)، فاقترح ان يكون الحدث في عائلة بدوية (شيوخ قبيلة) تحدث فيها جريمة قتل لرئيس القبيلة ويستدعى ولده الذاهب للصيد في البرية للعودة الى مضارب القبيلة كي يعلن ولاءه لعمه (الشيخ المنصب الجديد)، وها هو النص الشكسبيري على حاله الا من بعض التغييرات التي احدثها المخرج ولغرض الوصول الى تحقيق الفرضية الجديدة جرد المعد/المخرج النص الشكسبيري من كل اشارة لما هو اوروبي، سواء فيما يخص الاسماء او الاماكن او التقاليد والممارسات، كما افترض بيئة بدوية عربية لمكان الاحداث مستخدما خيمة كبيرة تمتد من اعلى وسط المسرح حتى وسط الصالة وفي داخلها مفردات من البسط والسجاد العربي اليدوي، واستجاب مصمم السينوغرافيا المصمم (كاظم حيدر)لفرضية المخرج وحقق ماكان يبغيه في الازياء ايضا، حيث كانت العباءة اليدوية هي الزي الرئيس لمعظم الشخصيات كما استخدم الجلباب وغطاء الرأس العربي القديم، والغى المعد الاسماء مكتفيا بالالقاب كالملك والامير والوزير والملكة وهلم جرا.. كما لجأ المخرج لكل ما من شأنه تعزيز البيئة البدوية فقد عمد الى استخدام القهوة العربية وادواتها ـ المنقل والدلال والفناجين ـ وكذلك الهاون الذي تطحن بواسطته القهوة، واوعز المخرج للممثلين ان يتبينوا كل العادات العربية القبلية، لذلك فقد اضطر لحذف بعض الجمل التي تعكس العادات والتقاليد الأوروبية المسيحية ومنها مثلا جملة) بلا اعتراف ولاقربان ولا زيت مقدس) وقول الملكة (الشذا للشذى، وداعا .. املت ان تصبحي لابني هاملت زوجة، وظننت انني فراش زفافك سأزين، يااحلى العذارى، لا على قبرك انثر الزهور ) وقام المخرج باستبدال الصلاة المسيحية بصلاة اسلامية، سواء في المشهد الذي يدخل به هاملت على عمه ويحاول قتله وهو يصلي، ام في مشهد دفن (اوفيليا ) كما قام باخراج مشهد التمثيلية التي اراد بها (هاملت) ان تقدم من قبل فرقة التمثيل امام الملك وامه فتستفزهما، وبالتالي تكشف الدليل على قيامهما بجريمة قتل ابيه، على غرار مسرح(البساط) الذي اعتاد العرب وخصوصا في شمال افريقيا ممارسته، او على شكل حلقة الذكر التي يمارسها المسلمون كشعيرة دينية، وبعكس شكسبير الذي جعل شخوص مسرحياته يؤمنون بظهور الاشباح فقد عمد المخرج الى حذف المشاهد الاولى تلك التي يظهر فيها شبح الملك للحراس ولهوراشيو ومن ثم لهاملت، واكتفى بالابقاء على المقاطع التي يخاطب فيها شبح الملك ابنه هاملت حول جريمة قتله وحولها مناجاة للنفس (مونولوج) داخلي في عمق الصحراء استنادا للجملة التي يقولها (هاملت)(يا لنفسي التي تنبأت ) بعد جملة الشبح (ولكن اعلم ايها الفتى النبيل ان الافعى التي لدغت الحياة من ابيك تلبس الان تاجه ) فقد ظهر (هاملت) وهو يلقي جملة الشبح بنفسه والجمل الخاصة به كأنه يحاور نفسه، لقد كان الدافع الفني وراء الفرضية التي وضعها المخرج في اخراجه لمسرحية (هاملت) اعطاء مزاج خاص اخر مغاير لبيئة المسرحية الاليزابثية والابتعاد عن التقليد والاستنساخ، وكانت تلك المقاربة قد افترضت امكانية ظهور شاب مثل (هاملت) في مجتمع عربي قبلي، شاب متعلم كيس هادئ لا يتعجل في اصدار الاحكام والاخذ بثأر ابيه قبل جمع الدلائل على ارتكاب الجريمة ووضع تلك الدلائل امام الشخصيات وامام الجمهور كي يدينوا مرتكبيها، وربما كان عدم لجوء هاملت للانتحار تخلصا من عذابات نفسه هو تحريم للدين الاسلامي لقتل النفس، كانت معالجة المخرج لجملة (هاملت)(واحسرتاه على حصان مستعار هجروه ونسوه) وقبلها جملة(رباه ما انا الا رقاصك الماجن) ليسخر بها من امه التي لم تحزن على مقتل ابيه ونسيانها له فقد جعل المخرج (هاملت) يقوم بحركات تشابه حركات رقصة الفرس التي هي من اصل عربي وهو بذلك اراد التمويه على (اوفيليا) لتنعته بالجنون ويدينها لانها نسيت حصانها الراقص الذي كان يسليها .
من هنا حسب النموذج اعلاه يمكن ان ينفتح النص الصحراوي على التجليات التراجيدية في النص الكلاسيكي او يستخرج من السرديات الصحراوية او من حكايات بدوية غابرة تمتلك ميكانزمات التحويل من جنس الى اخر من السرد الى الدراما من حافات الشعر والملاحم الى المسرحية بخواصها التمسرحية ،حيث يمكن ان تنوجد فيها العناصر التراجيدية من البطل التراجيدي وهو هنا شيخ القبيلة او ولده من اصل نبيل المحتد الى (السقطة)(الهمارتيا) التي يقع فيها البطل مرورا بالتطهير واثره ..