تربية فنيّة

عواد ناصر

التربية الفنية هي اسم درس الرسم في المدرسة العراقية حتى المرحلة الإعدادية، أما في المرحلة الجامعية يختلف الأمر، لأن الدراسة في الجامعة تتفرع اختصاصات.
لا يدرس الطالب العراقي الرسم أكاديمياً إلا في أكاديمية الفنون الجميلة أو معهدها، رغم أن هاتين الأكاديميتين لا تصنعان فنانين، بل تساعد الطالب الموهوب فنياً على تطوير موهبته، فالفن، في أنواعه كلها لا يمكن تدريسه أو تعلمه، إنما توجيهه وتطويره وتهذيبه ومساعدته على بلوغ الخطوات الأولى ليتولى الخطوات التالية حسب حماسه ورغبته وشوقه الشخصي ليكون فناناً.
أعظم الأكاديميات لا تصنع فناناً من دون ذاك اللمعان في روح الطالب وعينيه وتوقه غير المعتاد للتعبير عن العالم من خلال رؤيته الشخصية للعالم، وبقية مؤهلاته لالتقاط الاستثنائي مما هو عادي، وهذا، كله وغيره، يلخصه التربويون بكلمة واحدة هي «التميز».
طيلة دراستي بين المرحلتين الابتدائية والإعدادية (الثانوية) لم أصادف معلماً، أو مدرساً، للتربية الفنية (الرسم) كلّف نفسه، يوماً، في أن يرسم على السبورة، ولا أقول على مسند الرسم، حتى تفاحة!
يعني لا يعرفون رسم حتى تفاحة.
درس التربية الفنية (الرسم) درس خادم لبقية الدروس والمعلمين الكسالى، إذ غالباً ما يتحول درس الرسم إلى درس من الدروس الغليظة: اللغة الإنكليزية أو الفيزياء أو الكيمياء أو الرياضيات لتكملة المنهج، خصوصاً في الشهور الأخيرة من الدراسة المتوسطة أو الثانوية (البكالوريا).
خلال دراستي في معهد إعداد المعلمين (سنتان بعد الإعدادية) تولى الفنان العراقي المعروف ماهود أحمد (خريج الاتحاد السوفييتي) تدريسنا «التربية الفنية» لكن حتى هذا الاستاذ (الفنان) لم يرسم أمامنا، أو يخطط، بالفحم، أو حتى بقلم الرصاص أو الطباشير، في أي درس من دروسه على مدى سنتين، فترة الدراسة في المعهد المذكور.
ما رأي الخبراء والمتخصصين، في الغرب، بشأن التربية والتعليم بشأن تطوير الملكات الإبداعية لدى الطلاب؟
اتخذ هؤلاء إجراءات حثيثة ومتنوعة وتوصلوا إلى نتائج مهمة ومن ذلك:
إن الإبداع عملية مكتسبة، وهذا يعني إمكانية تطويرها وتعزيزها لدى الطلبة عبر التربية والتعليم، فأقيمت دورات مكثفة للطلاب، بعد مرحلة «تشخيص التميز» لديهم، ومن خلالها لم يقتصروا جهودهم على التربية الفنية، كما نفهمها، أي «الفنون الجميلة» بل شملت بحوثهم ودوراتهم حتى العلوم الطبيعية والتطبيقية في الكيمياء والطب والهندسة والرياضيات، منطلقين من مبدأ أساسٍ هو إن الخيال عنصر ضروري في جميع أنواع الإبداع، ولا يمكن لأي تجربة إبداعية أن تنجح وتتطور وتؤثر في غياب هذا العنصر.. وعليه «التقليل من أهمية الحفظ (الدرخ) لصالح المزيد من التركيز على التفكير الإبداعي» (*).
..ويضيف س.ج.بارنز (متخصص تربوي وأكاديمي أمريكي): [تؤكد الدراسات على أن «الخيال التطبيقي» ذو أهمية فائقة في مسالك الحياة كافة، كما تؤكد على شمولية الموهبة الخيالية وفائدة القدرة الإبداعية في كافة مراحل حل المسألة بدءاً من التوجه وحتى التقييم] (**).
طبعاً، نحن إزاء عملية على غاية التعقيد ولا يقاربها أي كان عدا أهل الاختصاص، وعلى مستويات متعددة ومتنوعة، لا يمكن اختصارها ببضعة سطور، وتتطلب فرقاً ومجموعات عمل متعددة، تضم علماء النفس والاجتماع والتربية والتعليم والطب وسائر أنواع المعرفة العلمية والإبداعية، في بيئة ثقافية وتربوية وسياسية سليمة، كمناخ مشجع يبدأ من المدرسة ولا ينتهي عند الجامعة.

________________________
(*) س.ج.بارنز، الإبداع -نصوص مختارة-
ترجمة عبدالكريم ناصيف، وزارة الثقافة السورية، 1981.
(**) المصدر نفسه.