تطور الاستعمال اللغوي بين التداولية وأنساق الخطاب

د. حسين القاصد

يقول بول ريكور ان تأويل الخطاب (لايعني البحث في قصد مختلف وراء النص، وانما يعني متابعة حركة المعنى نحو المرجع، بمعنى نحو العالم. التأويل، هو اظهار التوسطات الجديدة التي اقامها الخطاب بين الانسان والعالم)1
التداولية لم تعد علما لغويا ولم تعد مقتصرة على اشتغالات اهل اللغة انما هي الآن علم معني بدراسة التواصل اللغوي انطلاقا من غرضية اللغة نفسها، فاللغة هي اهم الاحتياجات الانسانية، والخطاب اللغوي يمس البحث التداولي من كل زوايا التواصل الذي تؤديه اللغة..

ولو انطلقنا من ان وعي المتلقي والمعنى يخضعان ـ بعد تحقق التواصل ـ لمشترك ثقافي ومعرفي واحد، سنصل الى اننا امام تمرحل المعاني وتغير المعجم اللغوي المشترك او تسيد بعض المفاهيم الايديلوجية التي تمارس اغتصاب اللفظة وتخرجها من معناها الى المعنى السياسي الجامد المنغلق، ولقد ركز الباحثون والمهتمون بشعر صدر الاسلام على دخول المعاني الاسلامية للقصيدة وعدوها ظاهرة ثقافية وهي في الحقيقة وليدة ظاهرة دينية واجتماعية بعد ان هيمنت مفردات الاسلام على الخطاب المجتمعي فأسلمة المجتمع انجبت أسلمة القصيدة، وقيل حسان بن ثابت ضعف ولان شعره بسبب دخوله الاسلام.
يقول رولان بارت (( إن اللغة ما أن ينطق بها حتى وإن ظلت مجرد همهمة فهي تصبح في خدمة سلطة بعينها، إذ لابد وأن ترتسم فيها خانتان: نفوذ القول الجازم، وتبعية التكرار والاجترار… في اللغة إذن خضوع وسلطة يمتزجان بلا هوادة ))2 ؛ وهنا لنا أن نقف عند بيت حسان بن ثابت وهو يخاطب ابا سفيان :
هجوت مباركا برا حنيفا
رسول الله شيمته الوفاء
ولو وقفنا عند كلمة (حنيفا) لوجدنا انها تداوليا تحولت الى مسلم بدلالة قوله (حنيفا مسلما) وابراهيم الحنيف، لكنها في أصل معناها تعني الذي مالت قدمه او اصابها اعوجاج3 وهنا يكون حسان قد وقع في فخ عدم الاشتراك مع الخصم بأية وسيلة تواصلية، ولم يوقع أي عقدا ثقافيا بينه وبين المتلقي الخصم ولولا استباب الامور لمالك اللغة الجديد (الاسلام / السلطة ) بحسب رولان بارت لصار البيت أقرب الى الهجاء منه الى المدح .
ومن دليل ان العربي يرّحل كل ماحوله وقريب منه الى الاشياء غير الداخلة في لغته، لأنه ينطق بما اعتاد وعرف، ويسمي ويصف ما لم ير او يعرف بما رآه وعايشه، نجد ان العرب كانت تقول: (( عليه واقية كلب، لأن الكلب لايسرع اليه الموت كسائر الحيوان، بل يموت بعد شدة شديدة وجهد ))4 وقد ذكر هذا دريد بن الصمة الجشعمي حين ضرب امرأته بالسيف فأتقتها باليد:
أقرَّ العين أن عُصبت يداها
وما إن تعصبان على خضاب
وابقاهنَّ أنّ لهنّ جِداً
وواقيةً كواقية الكلاب5
ومثل ما يهتم التداوليون بتطور المعنى واستعماله اللغوي، نجد (ان دراسة النقاد الثقافيين تشمل على فك شفرات النصوص لأنواع عديدة في نطاقات وسياقات مختلفة: الكلمات والصور والاغراض والاعمال الأدبية والشبه ادبية والطقوس الاجتماعية )6، لذلك حين نقرأ البيت الآتي: مخ
(( يامن له تِكةٌ يُدِلُّ بها
نحن بدأنا وقد حللناها
لاتبتذخْ ، ولاتكن صلفاً
إن تكُ مِصراً فقد فتحناها
والبيتان يجريان مجرى المثل القديم: قد فتح فلان مصرَ))7، والفعل: فتح، يفتح، والفتح، والفتوحات، خرجت من المعنى الاصل الذي هو فتح البكارة الى ماصارت عليه في حروب المسلمين وتسمية مايسيطر عليه المسلمون من اراض ومدن بالفتوحات؛ والبيتان والمثل العربي هما كناية عن فض بكارة، وهما ينتميان الى المعنى الاصلي قبل ان يتطور الى المعنى( الحربي) وغزو المدن؛ فالعربي يكاد كل شيء من حوله ان يكون متشابها، لذلك يتحول المعنى التداولي من قصد الى آخر وقبل الحروب والفتوحات الاسلامية كان الشاعر الجاهلي ( يعتقد ان في المرأة قوة سحرية طقوسية خيّرة تؤثر في الروح والجسد معاً … ولعل البكارة تأخذ معناها السحري تقريبا من هذا الشعور : فإذ يفض العذراء يحدث في جسدها تغييرا أساسيا يدفعه الى الظن أنه … قد خلقها )8، وهكذا تحول الفتح من البكارة الى الأراضي التي قد تكون عذراوات ولم يفتحها جيش من قبل!، وهو مايتابعه التداوليون بتطور الاستعمال اللغوي، بينما يراقبه النقاد الثقافيون بتفحص النزعة الفحولية التي اضمر نسقها خلف تحولات الفعل ( فتح ) فجميع الفتوحات تحتاج الى فحولة وبطولة وزهو، وما بعد تحقيق الفتح يكون الفرح، لأن السعادة الكبرى و( العيد الأول في حياة العربي هو عيد الجسد حيث تتوحد الشهوة واللذة والنشوة9 وهذا كان ومازال مستمرا بغض النظر عن ترحيل المعنى والاستعمال اللغوي للفعل (فتح) من الجنس الى الحرب.

الهوامش

(1)العلامة والرمز في الفلسفة المعاصرة ـ الزواوي بغورة ، مجلة عالم الفكر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ، العدد: 3 ، المجلد 35 ، مارس 2007 م : 121
(2) درس السيميولوجيا ، رولان بارت : 13 .
(3) لسان العرب ، باب حنف ومنه (الجوهري : الأحنف هو الذي يمشي على ظهر قدمه من شقها الذي يلي خنصرها . يقال : ضربت فلانا على رجله فحنفتها ، وقدم حنفاء . والحنف : الاعوجاج في الرجل ، وهو أن تقبل إحدى إبهامي رجليه على الأخرى …)
(4) الأمثالل المولدة لأبي بكر محمد بن العباس الخوارزمي ، تحقيق وتقديم: محمد حسين الأعرجي ، ابو ظبي ـ المجمع الثقافي 2003: 208
(5) ينظر : السابق ، و الحيوان 2:195- 196 والأغاني 10 : 19 وثمار القلوب : 398
(6)النقد الثقافي ..: 133
(7) الأمثال المولدة … : 203 ـ 204
(8) مقدمة للشعر العربي ، أدونيس ، دار الساقي ، 2009 : 17
(9) نفسه.