تعليب الوعي

د. فاضل السوداني

البلاد أمست ظلاماً صارت ملأى بالظلال،
من ذا الذي رأى إنساناً
تملَّكه الخوف، يعيش بسلام.
لا تدع أبناء مدينتك
الذين اصطحبوك واقفين
بانتظارك عند سفح الجبل
لا تدع الأم التي ولدتك تقذف إلى ساح المدينة

شاعر سومري

يقتضي بناء الرؤية الفكرية المستقبلية للمجتمع الثقافي الانحياز إلى القول بان الثقافة العراقية لا تستقيم في الوقت الحاضر ما لم نمتلك أسلوباً ومنهجاً نقدياً واضحاً يكشف عن حيثياتها وأزمتها ويفرض مواجهة مركزيات التشويه والخراب فيها حتى يتسنَّى لنا تشخيص ورفض تلك الأسس المشوِّهة للثقافة ذات الطابع الشمولي المنطلق من آيديولوجيا الحزب الواحد والأفكار الشمولية المنحازة إلى الغموض الفكري مما يجعلها ثقافة ضد متلقيها أساساً .
وبما أنَّ مثل هذه الثقافة كانت ثقافة متكيِّفة وما زالت، وبما أنَّها كانت متمركزة ومخططاً لها في الأقبية السرية التي يشرف عليها النظام (أي نظام شمولي) وبمساندة المثقفين المتكيفين الجهلة أنفسهم، فإنَّها ثقافة تفقد معناها وأسسها الديمقراطية وتطمس جميع إمكانيات التعبير الثقافي الاثني والتَّعدّدي وتبتعد في تعابيرها عن مراكز الأطياف الثقافية الأخرى التي لا بد أن تتعارض معها لو فسح لها مجال للتعبير.
وحتى لا تُقذَف أمهاتنا مهانات في سوح المدن من جديد، وحتى لا تكون مدننا مدنَّسة ومستباحة، وحتى لا يستطيع نكرة أن يسبينا عندما يرفع سوطه علينا، يجب التأكيد وبوعي كامل أنَّ أي مجتمع يخضع للخنوع والخوف لا يمكن أن يعيش حياته بأمان ديمقراطي حر، وأنه لا يمكن لأي ثقافة في أي زمان ومكان أن تؤثر في سلوك البشر و تعبّر عن طموحاتهم ما لم تكن ثقافة ديمقراطية حرّة وبعيدة عن تمركز مؤسسات الدولة الديكتاتورية التي يقودها عادة المتملّقون وأنصاف المثقفين المتكيّفين الذين يتستَّرون تحت معطف السياسي ــ صاحب العين الصفراء ــ والذين يكرهون الثقافة في حقيقتهم ولا يتوانون عن إطلاق النار على المثقف المتفاعل او تفجير المؤسسة الثقافية برمتها.
مما يدفعنا هذا إلى ضرورة بناء الثقافة المستقبلية التي يجب أن تعبرعن تنويعات الطيف العراقي والتي لا يمكن ان تتخلَّى عن طابعها الإنساني بشكل عام .
وبالرغم من سموّ الأرواح التي كانت متوهجة سابقاً وانطفأت في النظام السابق وأصبحت تئن تحت سوط السلفية والمهادنين والمتملِّقين، إلا أن الأمل ما زال يراودنا (بدون أن نصف أنفسنا بالمغامرين) على بناء ثقافة تمتلك وحدتها وتأثيرها المستقبلي في عراق ديمقراطي حر يكون الانتماء فيه للعراق أولا قبل الانتماء لأي حزب أو طائفة أو ملّة او عشيرة والذي يدعو المثقف والسياسي على حدّ سواء للتَّبجُّح بهذا الانتماء نافخا صدره الحريري وأوداجه الملوّنة، متظاهراً فقط دون أن يضع الحقائق في نصابها.
ولكنَّ المهم الآن عندما يكون الهدف هو نهضة العراق فعلى الجميع أن ينسى انتماءاته، وعندما تكون هناك مشكلة عراقية، يجب أن تكون هي المحك الأساسي للانتماء الوطني، وعندما نتحدّث عن العدالة يجب أن يكون هناك ضمير نبيل، يجب الا نتعامل مع مشكلة العراق بروح أنانية، حزبوية ضيّقة، العراق هو القمر البهي وبنوره تتلألأ نجوم الطيف العراقي .
ومن هنا فان الوضوح الفكري في تشخيص ماهية «الثقافة المتفاعلة» ودور «المثقف المتفاعل»، قضية جوهرية في تخطيط أي سياسة وخطاب ثقافي وسياسي جديد التي تعدّ الخطوة الأولى نحو تحديد المعوقات والتركيبات المعقّدة للثقافة.
وبالتأكيد فإنَّ كل هذا يحتاج إلى فهم وتأكيد ماهية الثقافة الديمقراطية في العراق الجديد! وإلى تشخيص الكيفية التي تُنقذ الثقافة العراقية من الجهالة. نعم يجب إنقاذ الثقافة العراقية وباقصى سرعة، ما دام هناك احتقار للثقافة والتاريخ الثقافي العراقي وما دام هناك تردٍ في المؤسسات الثقافية والتعليمية وما دام هناك شبه منع للوسائل والمؤسسات التي تشكّل الذوق الجمالي المجتمعيّ، وما دام السياسيّ والمثقف المتكيّف يخضعان لشتى صنوف الجهالة والالتزام بغوغائية الغيبيات التي لا تمسّ واقعنا، فهؤلاء وآخرون في الخفاء الآن ينتظرون دورهم لغزو مؤسسات الدولة الاقتصادية والسياسية والثقافية ليفتكوا بالفن والمسرح بالذات (لأنَّه حرام) وبالمثقف المتفاعل والرافض والمترفع عن أي دنس وفساد ــ ولم يدنس نفسه لا في النظام السابق ولا في الحالي ــ لأنه هو المتطهّر بماء دجلة والفرات والداعي للثقافة العراقية الانسانية وإلى عراق متطور ومعاصر.

تعليب الوعي وسيكولوجية الخراب الثقافي

من الطبيعيّ القول إنَّ النظام العراقي السابق استخدم التضليل الإعلاميّ والثقافيّ كوسيلة لقهر الشعب عموماً وتشويه روح «المثقَّف المتفاعل» أي العضويّ وغير المتكيّف مع سياسته الديكتاتورية ، والهدف من هذا هو السعي لتطويع الشعب لصياغة جديدة للعنف وجعله سلوكاً طبيعياً بين الناس ، وتعميم «مجانية التوحش» والتجهيل خدمة لحروب الدكتاتوريات اللامجدية، مما خلق جيشاً من المثقَّفين المتكيّفين مسلوبي الإرادة والفكر مهمّشين بسبب كونهم جزءاً من سياسة «الوعي المُعلَّب» أي جعل الوعي الانساني ينحصر في أطر ضيقة وساذجة لا تتناسب مع الثورة المعرفية والتكنولوجية الهائلة في العالم.
فاذا كانت ثقافة العنف هي ما سعى لها النظام الدكتاتوري، فإنَّ السياسة الثقافية التي يقودها «المثقَّف المتكيّف» الذي لا يملك رأياً ملتزماً وحرّاً يجعله متسلِّقاً بأنانية وبوعي طائفي متخلّف وظلامية تحتقر الثقافة الحرّة وجمالية الفنون.
فاذا كان واقع الحال هكذا، فانَّ العراق الديمقراطي والمجتمع المدني الحرّ والمثقف المتفاعل لا بد أن يحقّق ذاته ووجوده من جديد من خلال ثقافة تؤكد الوعي الانساني الاسمى ، تقف بوجه النزعات التي تؤكد العنف وضبابية الفكر وغيبياته، ثقافة إنسانية متعقلنة يكون جوهرها بناء الوعي والفكر الإنساني والحصانة الروحية الواعية في الذات العراقية من أجل الابداع، وخلق وتأكيد الارادة الحرّة للشعب العراقي بجميع قومياته وأطيافه الأخرى مما يؤهلنا لامتلاك القدرة الابداعية الديناميكية، ولا يمكن أن يتمّ هذا إلا من خلال ثقافة حّرة ينتجها عقل مفكّر وحرّ، ومثقف متفاعل يساهم في نشر تأثيرها الديناميكي، وتمتين حصانة الوعي الذاتي للإنسان .
وبالتأكيد فإنَّ وضع السياسة الثقافية المتنوعة والغنية ستضمن التأثير العادل للقيم الفنية والجمالية في وعي الإنسان، وستساهم في خلق التعددية الثقافية مما يخلق لديهم القدرة على الاختيار واتخاذ القرارالفكري الذاتي الحر بعيدا عن مشكلة تعليب الوعي التي تخلقها وتمارسها وتركّزها مؤسسات النظام الشمولي الواحدي.