تنهدات أوفيليا في الفن التشكيلي

فاضل السوداني

تميزت الكثير من اللوحات التي رُسمت عن موت أوفيليا منذ شكسبير وحتى اللحظة بكون الفنان يحاول دائما أن يجعل من الجسد الميت أبدياً في ملامحه ووجوده الأخير، وكأنه بهذا يريد لهذه اللحظة الأبدية أن تمتلك وجودها لأن الإنسان يمتلك دائماً شرارة الأبدية في داخله، والشعراء والفنانون والعلماء وعموم المبدعين يتميزون شعرا وفنا وإبداعا فقط نتيجة لفهمهم وامتلاكهم لأبديتهم.
كل لوحة من لوحات اوفيليا تنقصها بعض الأشياء التي يجب أن يكملها المرء – المشاهد في خياله، ففي لوحة (اوفيليا) للفنان جون ايفرت ميليه نحتاج إلى لغة بصرية من خلالها نستطيع أن نبني العناصر والرموز للوصول إلى تأويل مكوناتها خارج إطار اللوحة التي يتمركز فيها الماء بكثافة وقتامة وأغصان الغابة الخضراء الموحشة. ودلالات اللون هنا واضحة فالأخضر القاتم وكذلك البُني الذي يطغى على جذوع الأشجار وظلام الغابة كلها توحي بأن مصاباً جللاً وطفولة بريئة في طريقها إلى الموت.

والماء القاتم عادة يكون ثقيلاً ولكن الفنان منحه الصفاء التام حتى أنك ترى بعضا من أعماقه، فالقتامة والظلال التي تزيدها وحشة تجعل الموت قريباً لدرجة أننا نخاف على أنفسنا ولكن نود أن نقذف أنفسنا فيه لانقاذها، وبالمقابل فأن الصفاء والماء الرقراق والشفاف يجعل جسم اوفيليا ندياً ورقيقا وكأنها تود أن تنهض ليتحول الماء ممشى لها في هذا النهر فهو هنا كفراش ناعم رقيق يوحي لها أن تغني أغانيها الشجية وأن تتذكر أحلام طفولتها في هذه اللحظة.
لكنه فراش قاس أيضا لأنه سيسحبها إلى أعماقه هناك حيث كان الموت ينتظرها، أنه يتراءى كوحش يغزل لها كفنها الملون بأزهاره، وعلى أصوات مخلوقات النهر وهسيس الريح بين الأغصان يحمل الماء أوفيليا التي ما زالت حية وثوبها اللامع لاموشى بالزهور والمنتفخ بالماء يساعدها على الطوفان في رحلة معروفة النهاية، أنها لا تريد أن تنهض من رقادها فالجمال الذي يحيطها وكذلك أغانيها الحزينة والموسيقى التي تسمعها والتي تأتيها من الأغصان والزهور هي أصوات غناء ملائكة يفتخرون بطهارتها و براءتها.
لهذا فإنها لا توحي بأنها ميتة أو في طريقها للموت. إنها تبدو مستسلمة حقاً عندما فتحت يديها إلى الأعلى متجهة إلى السماء وكأنها في حالة دعاء ليس من أجل إنقاذ نفسها وإنما من أجلنا لأنها تود في لحظتها الأخيرة أن تغفر ذنوبنا.
إنها في اللحظة الأخيرة، لأنها ما زالت طافية، فالماء مفسد للجسد الميت. والفنان جعل فمها مفتوحاً، وكأنها تود أن تنطق بأننا بشر قساة، أو أنها تغني أغنيتها وملامح وجهها ليس فيها أدنى شحوب، بل أن حمرة الوجه تؤكد حياتها، وبهذا فإن ميليس حاول أن يخلدها في لحظة بين الحياة والموت، والحياة هي الخالدة ما دامت أغاني اوفيليا ما زالت شجية بأذاننا.
فإذا ماتت هي من أجل الآخرين لا بد أن تنبثق ولادة جديدة أو هذا ما توحي به مجموعة الأغصان الخضر التي تنبثق من عمق قاع الماء وتنعكس ظلالها على صفحة الماء الصافي فلا يمكن أن تتخيل أنه ماء كالموت لأنه ماء نقي يحمل العديد من الزهور الحمر والخضر والبنفسجية، ومن الضفة الأخرى من النهر تتجه أكمة من الزهور البيض لتظلل جسد اوفيليا وكأنها تلقي عليها النظرة الأخيرة.
لقد طغى اللون الأخضر بما فيه القاتم على مكونات اللوحة ما عدا اللون البني الذي لوّن الفنان به جذع شجرة ضخمة مع مجموعة أغصان خشنة متفرعة ومتشابكة وكأنها شبكة الموت التي تتجه فوق الماء وتهيمن على اوفيليا الحالمة والتي لا بد أن تمر تحتها قبل أن تسحبها الى الأعماق السحيقة .
منذ الخلل الذي حل بحياة اوفيليا وغيّرها لدرجة أنها لم تعد ترغب بالحياة، فإنها تمسكت بالزهور، فهي تحملها أينما ذهبت وحتى بعد أن تحولت الى جثة طافية. وقد أعطى شكسبير أهمية كبيرة لهذا، إذ عندما اكتشفت اوفيليا حقيقة العفن في حياة القلعة الدنماركية إنتمت إلى الطبيعة، الماء، الزهر، هناك حيث بداية الأشياء ونهايتها، حيث النقاء الذي تراه كقطرة ندى على ورقة زهرة حالمة في الفجر، إن هذا الانتماء هو إنتماء لعالم الجمال الذي هو نقيض لعالم قلعة الملك الدنماركي حيث المؤامرات والنميمة والعنف . إذ أن الكلمة التي ساوت الحياة بالموت لدى اوفيليا هي كلمة نكران قدسية الحب من قبل حبيبها هاملت.
هاملت: اذهبي إلى الدير و ترهبي.
هاهو حبيبها يرفضها وهذا يعني إذن حدوث شرخ في الدولة أو النظام وشرخ في الروح، وهذا السبب إضافة إلى موت أبيها هو الذي قتل فيها استمرار العيش في مثل هذا العالم. وبالتأكيد و الرغم من حب هاملت لأوفيليا إلا أنه تعامل معها بهذه القساوة،لأنه عمم خطيئة أمه بالزواج من أخ زوجها ولم يمض على جنازة موت والده شهرين، فشملت جميع النساء لدرجة أنه لا يأتمنهن، وشعور اوفيليا بهذه الخيبة حولها إلى شبه جثة تطفو فوق الماء في ذلك النهر الذي حاول الفنان جون ميليس أن يرسمه بمهارة ليجعله فراشاً يحمل أحلام اوفيليا وأغانيها.
وحدها الزهور غريبة بعد أن سقطت من بين أصابعها ففقدتها، كما فقدت أحلامها فلم تستطع هذه الزهور مواساة أوفيليا البيضاء، لهذا فإن حركة يديها المستسلمتين مرفوعة إلى الأعلى، إلى السماء التي لا نراها في اللوحة فقط اوفيليا هي التي تراها. جميع مكونات اللوحة، أعشابها الخضر وأغصان الأشجار والزهور الملونة في كل مكان تمتد منحنية بطريقه وكأنما تريد أن تحتضن أوفيليا وهي في فراش الموت المائي.
فتمتلئ ثيابها بالماء وتغوص إلى أعماق العالم المائي فيتشبع جسدها وروحها لتعود من جديد إلى الرحم الأمومي المائي وهي فاغرة الفم بابتسامة لأنها تركت أغانيها الشجية تتردد في عالم قاس، عالم قتل فيه الأخ أخاه من أجل العرش.
و بما أن صدى الأغاني الأوفيلية ما زال يتردد على مَرّ الأزمان، فهي لم تمت لأن (أوفيليا التي لم تغرق أبداً حجرُ مصون تحت الأنقاض ). كما يقول الشاعر مالارميه .