تهجير

عواد ناصر

كل عمل فكري، أو فني، ينطوي على شوق إلى إقامة مختلفة، لأن إقامتنا الراهنة موضع التباس على نحو ما، وهذا أمر يكاد يكون غريزياً، وهو طموح بشري أزلي وسيستمر: ثمة «مكان» أفضل دائماً حتى لو بدا المكان الراهن جنة غنّاء.
قلت: «كل عمل فكري أو فنّي» لأختلف، قليلاً أو كثيراً، مع الناقد الفني والباحث والشاعر البريطاني جون برغر، الذي اقتبس من نوڤاليس مقولته: «الفلسفة، في حقيقتها، حنين إلى موطن، إنها رغبة الإنسان في أن يكون موطنه في كل مكان» (*)
.. وهو خيار، أيضاً، سواء تحقق بوعي كامل أو بقي نوعاً من حلم.
المفارقة القاسية: بالضد من ذلك، وتدميراً له، هو ما حدث، وما يحدث، الآن وهنا، في الألفية الثالثة، لملايين الناس عبر المعمورة من تهجير قسري بسبب القمع والحرب والإرهاب.
فاتحة التهجير والهجرة بدأت في العراق منذ بداية الخمسينات بسبب «الحرب» التي كان يشنها الإقطاعي المسلح على الفلاح الأعزل، مما اضطر الثاني، قسراً، إلى مغادرة بيته، على شكل اقتلاع قسري، ليترك مسقط الرأس، في جنوب العراق الريفي، إلى «مرق» بغداد الأصفر.
حسناً، رضينا بذلك أم لم نرض، كان ثمة تكيّف (إذعان) في واقع الحال، وانغمر فلاحو العراق في مستنقع العاصمة الصلب، فتطوع، من تطوع في الجيش والشرطة، وخدم الباقون في دوائر الدولة، وهم بلا أية مؤهلات جدية، مثل بَراغٍ في خدمة الدولة وأقاموا في بيوت الطين والقصب وهي بيوت ليست أفضل كثيراً من القبور، في منطقتي الشاكرية وخلف السدة، تحديداً.
هذا أيضاً، جرى قبوله والتعايش معه، لكن الألفية الثالثة حملت للناس وعوداً خلّابة تكشفت عن أوهام مصابة.
تميز القرن الواحد والعشرون بظواهر خطيرة أبرزها العنف الحكومي، الرسمي، والإرهاب القادم من أبعد القارات، والحرب التي ما أن تتوقف حتى تندلع (العراق تحديداً مرة ثانية)!
التهجير القسري، خلال الحروب، يتم على جبهتين: الجبهة المحلية، ممثلة بالسلطة الحاكمة والجبهة الخارجية ممثلة بعدو أجنبي، على مستوى دولة، وفي الحالين يجري تصنيف البشر وتأطيرهم على وفق شروط وأهداف كل طرف، لترى ضحايا الجبهتين، وقد تكون أكثر من جبهة، وهم يهيمون عبر البراري والجبال والوديان، مثل قطعان الخراف الهزيلة، من الجنسين، وبمختلف الأعمار، من الرضيع حتى الطاعن في السن.
حتى معسكرات اللجوء، التي هي سجون مؤقتة، تصبح أحد أكبر أحلام المُهجّر حتى لو كانت مكاناً لالتقاط الأنفاس، حسب.
الهجرة، التهجير، المنفى، مستويات، أو طبقات لجوهر واحد: الاغتراب.
بهذا المعنى نتلمس تعقيدات الظاهرة، ابنة القرن الواحد والعشرين ووعود العولمة في العالم الشاسع الذي تحول إلى قرية صغيرة.
نحن، إذن، المنفيين أو المهجرين أو المهاجرين، ضحايا الوقت، مرتين أو أكثر: الماضي بكل نسيانه وحنينه ونزواته، والحاضر بكل حداثته الفولاذية المشتعلة وعولمته الفاضحة وسلطته كلية القدرة.
والمستقبل؟
لا أظن أن مستقبلنا سيكون أفضل حالاً، واغفروا لي، رجاءً، تشاؤمي المبالغ فيه، لأن من كابدوا حربين عالميتين، في القرن الماضي، لم يتحسبوا للمستقبل الأشد قسوة، مستقبلنا في القرن الواحد والعشرين، ولم يتوقعوا أن يكون العالم بلا رحمة إلى هذا الحد.
في زيارتي الأولى للوطن «الأب»، عام 2003، تجمع حولي أحفادي، بنين وبنات، وطلبوا أن أروي لهم حكايتي في المنفى الذي استمر نحو ربع قرن، فعجزت. وبدلاً من تلبية طلبهم كتبت قصيدة قصيرة جداً:
«عادَ الشيخُ المنفيُّ إلى وطنهْ
ليُلقّنَ أحفادَهْ:
تعاليمَ المنفى المقبلْ».
____________
(*) جون بيرغر، Ways of seeing، وجهات في النظر، ترجمة فواز طرابلسي – 1990.