ت. س. إليوت: نصائـح إلى كاتبـة شابـة

ماريا بوبوفا 

ترجمة : جمال جمعة

شهرة في العالم، على أمل الإجابة عن بضعة أسئلة حول العملية الإبداعية، وماذا يستلزم ليكون المرء كاتباً؟ وكيف استطاع هو تطوير ملكاته الإبداعية؟
على العكس من كارسون، وعلى العكس من ألبرت آينشتاين الذي كان أيضاً يرد على رسائل معجبيه باستمرار، فإن إليوت نادراً ما كان يفعل ذلك. لكن شيئاً ما بخصوص استفسار الفتاة الشابة الصدوق قد لامس قلبه. إجابته التي كانت دافئة تماماً مع قدر معتدل من السخرية، ومليئة بالحكمة المصاغة بعبارات بسيطة، لربما تكون بيانه الأكثر مباشرة بشأن النصائح حول الكتابة.

«إذا كنتِ تكتبين ما تعتقدين وتشعرين في قرارة نفسك بأنه مهم»، تقول الكاتبة وعالمة الأحياء البحرية العظيمة راشيل كارسون، وهي تنصح فتاة عمياء كانت تطمح لأن تكون كاتبة، «فتستثيرين اهتمام الناس الآخرين». قبل ست سنوات، تقريباً مع قرب حلول يوم الفالنتاين من عام 1952، ثمة فتاة في السادسة عشر وصفت نفسها بأنها «كاتبة شابة طموحة» تحمل اسم «أليس كوين» استطاعت الاتصال بـ ت. س. إليوت (26 سبتمبر 1988 ـ 4 يناير 1965)، وكان في تلك اللحظة واحداً من أكثر الكتاب
تقريباً بعد أربعة عقود أذهل العالم بتحفته «أغنية حب ألفريد بروفروك»، وبعد أربع سنوات من حصوله على جائزة نوبل في الأدب، كتب إليوت للكاتبة الشابة الطموحة:

عزيزتي الآنسة أليس كوين،
أنا لا أجيب على الرسائل عادة، لأنني مشغول للغاية، لكنني أحببت رسالتك، وأنا سعيد بأنك تدرسين في مدرسة كاثوليكية.
لا أستطيع أن أخبرك عن كيفية التركيز، لأن هذا أمر حاولت تعلّمه طوال حياتي. ثمة تمرينات روحية في التركيز، لكنني لستُ الشخص المناسب لتعليم ما أحاول أنا أن أتعلمه. كل ما أعرفه هو أنكِ إذا كنتِ مهتمة بما فيه الكفاية، وتحرصين بما فيه الكفاية، فعندها سوف تركّزين. لكن لا أحد يمكنه أن يقول لك كيف تبدئين الكتابة. السبب الجيد الوحيد للكتابة هو أن على المرء أن يكتب.
لقد سألتِ سبعة أسئلة. ما من حدثٍ في طفولة أحد ما يجعله يشرع بالكتابة: بدون شك ثمة عدد من «الأحداث» وأسباب أخرى، إلاّ أن ذلك لا يزال غامضاً.

وتماشياً مع كارسون يضيف إليوت:
نصيحتي إلى «الكتّاب الجدد والقادمين» هي ألاّ تكتب في البداية لأيّ أحد غير نفسك. لا يهم كثرة أو قلة عدد الجامعات التي درس فيها المرء، ما يهم هو ما يتعلّمه، سواء كان ذلك في الجامعات أو بواسطة نفسه.
مقالتي المفضلة، كما أعتقد، هي تلك المقالة التي كانت عن دانتي، لكن ليس لأنني أعرف الكثير عن دانتي، بل لأنني أحببتُ ما كتبتُ عنه.
«الأرض الخراب» هي أكثر أعمالي شهرة، ولذلك ستبدو ربما الأكثر أهمية، لكنها ليست العمل المفضل لديّ.
وعلى ما يبدو فإن أليس سألت إليوت بشأن بعض الانتقادات الموجهة إلى شعره وشخصه، الاتهام الدائم الكسول بأن كل ما هو رفيع فهو نخبوي تلقائياً، فكان رد فعله:
أنا مهتم بسماع أن «كونيتز» و»هايكرفات» يقولان بأنني أفضّل الاحتكاك بنخب النبلاء والكنيسة، لكنني أحبُّ أن أعرف جميع صنوف البشر، بما في ذلك النبلاء والنُّخَب. أحبُّ أيضاً أن أعرف الشرطة، والسبّاكين، وبقية الناس.
ثم يعود إلى موضوعة كيف ينشأ المرء مجهّزاً ليكون كاتباً:
لا يحتاج المرء دائماً أن يكون ملمّاً بالموضوع جيداً جداً لكي يقوم بتدريسه: ما يحتاج المرء معرفته هو كيفية تدريس أيّ شيء. لقد دخلتُ مدرسة ممتازة للغاية (والتي لم تعد موجودة الآن) في سانت لويس، ولاية ميزوري، حيث تعلمتُ هناك بشكل حسن اللاتينية، اليونانية، الفرنسية والرياضيات الأولية. وتلك هي الموضوعات الأساسية التي تستحق التعلم في المدرسة، وأنا سعيد لأنني درَستُ هذه المواضيع بصورة جيدة في المدرسة، بدلاً من اضطراري لدراستها كـ ت. س. إليوت.
في الجامعة درَستُ أيضاً مواضيع شتّى عديدة، ولم أتقن أيّاً منها. إذا كنتِ تدرسين اللاتينية، اليونانية، الفرنسية، الرياضيات، وأصول الدين المسيحي، فهذه هي البداية الصحيحة.

أنا أحبُّ العيش في لندن، لأنها مدينتي ولأنني سعيد فيها أكثر من أيّ مكان آخر.

مع أطيب التمنيات،
ت. س. إليوت