ثقافة الأطفال .. بين التجاهل والاهمال

طارق حسين

نصت اتفاقية حقوق الإنسان في بعض بنودها والتي وقع عليها العراق على حق الطفل في الحصول على القدر الكافي من الثقافة سواء عن طريق المطبوع ، أو المرئي والمسموع من البرامج التلفزيونية والإذاعية وضرورة تنشئته تنشئة ثقافية تتماشى مع روح العصر لكن الملاحظ في العراق وسائل الإعلام المختلفة لم تعد تعر أي اهتمام بثقافة الطفل فقد غابت عن معظم القنوات والإذاعات برامج الأطفال وحتى إن وجدت فهي اسقاط فرض ليس إلا..!، بدليل أن الوقت المحدد لها قصير جدا لا يلبي حاجات الطفل، كما أن بعض القنوات لا تتذكر الطفل إلا في المناسبات الدورية، والاحتفال بيوم الطفل أو يوم اليتيم الأمر الذي جعل الطفل شريكا مع عائلته بمشاهدة الدراما التركية، والهندية، والبرامج السياسية، التي بمجملها لا تتناسب مع تطلعاته وحاجاته النفسية .
د قاسم حسين صالح
بروفيسور / رئيس الجمعية النفسية العراقية
يرى انه بعد منتصف سبعينات القرن الماضي شهدت ثقافة الأطفال تطورا كبيرا في وسائل الإعلام، وكنت حينها أعمل خبيرا في برامج الأطفال بتلفزيون العراق ولجنة فحص نصوص تضم الروائية لطفية الدليمي والصحافي باسم عبد الحميد حمودي وأنا . فعلى صعيد التلفزيون كانت هنالك برامج تعليمية وترفيهية وفنيه ماتزال عناوينها مشفرة في ذاكرة شباب اليوم/ اطفال السبعينات والثمانينات: افتح يا سمسم، المناهل، حروفنا الجميلة، سينما الاطفال، السنافر، المرسم الصغير .. ومسلسلات كارتون: حكايات لا تنسـى وحكاية فيها حكمة . وعلى صعيد الصحافة كانت هناك مجلة المزمار ومجلة مجلتي يعمل فيها اختصاصيون في أدب الأطفال وتخرج بمعادل صوري يجذب اطفال مرحلتها العمرية، فضلا عن صفحات خاصة بأدب الأطفال في صحف عراقية مثل
( العم حسان) في جريدة طريق الشعب وغيرها . هذا يعني أننا نمتلك خبرة مميزة ورصيدا ثمينا في ثقافة الأطفال .. لكننا أضعناه لسببين رئيسين : أن الحاكم لا يقدر أهمية ثقافة الأطفال.. لجهله أو لانشغالاته بأمور الحكم ، ولأن وزارة الثقافة تفتقر للعقول المعنية بثقافة اهم شريحة اجتماعية سيكون لها الدور في تقرير مصيـر العراق .. بمعنى أن اهمال الاطفال ثقافيا سينشأ جيلا يفتقر الى السلوك المهذب .. أن ادراكنا حقيقة أن الثقافة هي التي تحرك السلوك وهي التي تحدد أهدافه . وللتاريخ كنت عضوا بلجنة الخبراء في وزارة الثقافة التي كان يرأسها الأستاذ مفيد الجزائري وقدمت خطة تتضمن مقترحات لبرامج تلفزيون ومجلات خاصة بالأطفال .. وعملت مع المستشار الراحل كامل شياع لتنفيذها .. وتعطل كل شيء باغتياله . أنا لا استغرب ما حصل الآن من تراجع واهمال اعلامي لثقافة الاطفال لسبب أهم وأخطر : اذا شاع الفساد وتحول من عمل كان يعد خزيا وعارا الى شطارة وانتشال فرصة تتحول إلى ظاهرة اجتماعية تبرمج عقول ( الحكومة والناس) بجمع المال الذي يؤدي بالتبعية إلى اهمال الثقافة.

الكاتبة سعاد الجزائري تبين ان “العلم في الصغر كالنقش على الحجر”، هو قول معروف يولي اهمية استثنائية لما نزرعه من علم ومعرفة في نفوس الصغار، لكن التطورات التي طرأت على حياتنا بتأثير اللهفة على استهلاك ما هو جديد بغض النظر عن فائدته او ضرره ادى الى شيوع مفردات العنف والقتل في عالم الاطفال، سواء عن طريق لعبهم او في المجلات والافلام والالعاب الالكترونية التي تخص هذه الشريحة من المجتمع.. بالمقابل لا يوجد اهتمام بإعلام وصحافة الطفل، تقف بمواجهة مفردات العنف التي يتغذى عليها الطفل تدريجيا عبر العاب او افلام يقدمها لهم الكبار. في العراق، وعلى الرغم من وجود دائرة معنية بشؤون الاطفال، الان ان ما تقدمه هذه الدائرة مقارنة بما يعيشه اطفالنا يوميا من مظاهر عنف وتدمير، يعتبر نتاج هذه الدائرة قليل جدا برغم اهميته.. فشاشات فضائياتنا مليئة ببرامج حوارية شوهت قيمنا الاجتماعية النبيلة واحلت بدلها قيم الكره والتفرقة، فما الذي يتعلمه الطفل من تلفزيون نساه تماما وانشغل بخطاب دولة يسكنها الفساد ويزيح ما كان جميل فيها.. لا نستغرب ابدا عندما ينتشر العنف في مجتمع نسى الطفل في اعلامه وخططه، نسى الكائن الذي تتجسد فيه صورة المستقبل.. فهل يثير استغرابنا ان نجد صغارا بين الارهابيين، لانهم يحجزون الصغار في غرف ويبثون لهم افلاما ليس فيها الا القتل، وهكذا يعتاد على مشهد القتل، ثم وتدريجيا ينفذه بكل سهولة.. ان كانت دولتنا مشغولة بصراعها الطائفي وبالفساد، فما الذي يجعل الجهات الاخرى كالإعلام والثقافة ان تنسى نقش قيم الخير والتسامح على صخرة الطفولة.

الدكتورة أزهار صبيح
استاذة الصحافة في كلية الإعلام / جامعة بغداد
ترى إن أي حديث عن الاهمال الواضح والذي يمكن أن يوصف بالفاضح أيضاً، ذلك الذي تمارسه وسائل الإعلام العراقية في إطار ثقافة الطفل، يستلزم بالضرورة تشخيص حقيقة التفكير داخل منظومة تلك الوسائل. والذي هو ـ إلى حدٍ كبير ـ انعكاساً لطبيعة التفكير غير المسؤول داخل المنظومة الأشمل للدولة، متمثلة بالحكومة والمجتمع معاً. إذ يبدو للاختصاصي الفاحص، والمهتم، والمتابع الدقيق أيضاً، ان وسائل الإعلام العراقية بمخرجات عملها الراهن، تجهل أو تتجاهل ـ الأمران مؤسفان ـ أن الطفل بوصفه كياناً كاملاً، يمثل الركيزة التحتية الأهم في بنية الهيكل الاجتماعي العام. مما يعني أن الاهتمام بتربيته ثقافياً، لابدّ وأن يحتل أولوية أولى في سلم اهتمامات تلك الوسائل وخططها ومن ثم نتاجاتها الإعلامية. لكن واقع الحال عراقياً، يفيد بالعكس تماماً. إذ يؤشر عجز إحدى أكثر مؤسسات التنشئة الاجتماعية فاعلية على المستوى العالمي اليوم (وسائل الإعلام التقليدي والجديد) عن الاضطلاع بدورها المطلوب إزاء شريحة مجتمعية، كبيرة عددياً وأساسية نوعياً، ألا وهي شريحة الأطفال. فوسائل الإعلام العراقية اليوم فشلت في إداء إحدى وظائفها الرئيسة المتمثلة في تنمية قدرات الأطفال العقلية والجسدية والنفسية والسلوكية، عن طريق ما تقدمه من مواد إعلامية.