ثقافة الأطفال..بين التَّجاهل والإهمال

طارق حسين 

لقد نصَّت اتفاقية حقوق الإنسان في بعض بنودها التي وقَّع عليها العراق على حقِّ الطفل في الحصول على القدر الكافي من الثقافة سواء عن طريق المطبوع أو المرئي والمسموع من البرامج التلفزيونيَّة والإذاعيَّة وضرورة تنشئته تنشئة ثقافية تتماشى مع روح العصر، لكنَّ الملاحظ في العراق أنَّ وسائل الإعلام المختلفة لم تعد تعير أيَّ اهتمام بثقافة الطفل، فقد غابت عن معظم القنوات والإذاعات برامج الأطفال وحتى إن وجدت فهي إسقاط فرض ليس إلا..! بدليل أنَّ الوقت المحدَّد لها قصير جدَّاً لا يلبي حاجات الطفل، كما أنَّ بعض القنوات لا تتذكَّر الطفل إلا في المناسبات الدوريَّة، والاحتفال بيوم الطفل أو يوم اليتيم الأمر الذي جعل الطفل شريكا مع عائلته بمشاهدة الدراما التركيَّة والهنديَّة والبرامج السياسيَّة التي بمجملها لا تتناسب مع تطلّعاته وحاجاته النفسيَّة.

تضامن عبد المحسن / إعلامية وناشطة في ثقافة الطفل
اذا ما قلنا أنَّ وسائل الاعلام العراقية أهملت الطفل، فسيخرج من يقول لنا: هناك برامج مخصَّصة في الفضائية العراقية للطفل وربَّما في قناة أخرى.. ولكن في الحقيقة أنَّ هذه البرامج لا يتابعها الأطفال لأنَّ طريقة إعدادها وتقديمها لا تجتذب الاطفال، بل إنَّ أطفالي شخصيا يشمئزُّون منها، لأنَّها لا تتناسب وما يشاهدونه من تطور حاصل على وسائل الميديا في العالم بشكل عام.
البرامج المطروحة التي اذا جمعنا ساعات تقديمها ستكون أقلّ ربّما من خمس ساعات في الاسبوع وهي مدّة غير كافية للأطفال، هذه البرامج لا تعالج مشاكل الاطفال ولا تتناول همومهم ولا ترقى لمستوى تطلعاتهم او تشحذ هواياتهم، إنَّها برامج كنّا نتابعها نحن في الثمانينيات ونتفاعل معها حينما لم يكن لنا بديل، في حين هناك اليوم بدائل كثيرة جدّا للأطفال، ما يعني أنَّ على مؤسسات الاعلام أن تبذل جهودا كبيرة لتصل الى مستوى طموح أطفالنا.
هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنَّ الفضائيات والصحف لا تسلط الضوء على الاطفال الموهوبين والمبدعين والمميّزين، وإن حصلت بعض الحالات فإنَّها تمر سريعا ولا نكاد نلحظها بسبب ضيق الوقت المخصَّص لها، مقابل اتّساع الوقت لمواضيع أخرى خاصَّة السياسيَّة.
لذلك نشطت الكثير من منظمات المجتمع المدني او الأشخاص بشكل منفرد في مجال الطفولة، في محاولة لمعالجة هذه الثغرة التي هي من واجب الحكومة، نشطوا وحقّقوا نجاحا لافتا ولكن مع الاسف على مستوى مناطقي ضيِّق.

صلاح السعيد / أديب ومترجم
الْيَوْمَ طفل وغداً رجل
بعد اندحار اليابان في الحرب العالمية الثانية وما خلَّفته الحرب من دمار شامل، وجَّه إمبراطور اليابان سؤالاً إلى نخبة من العلماء والخبراء والمثقّفين، كان السؤال؛ بماذا نبدأ لإعادة اليابان؟ هل نعطي الأولوية إلى الصناعة أم الزراعة أم الجامعات ، وأجمع الكلُّ على ان يبدؤوا برياض الأطفال وهكذا بدأت نهضة اليابان،
الطفل هو مستقبل البلاد وتولي الأمم اهتمامها بتربية الطفل وتنشئته وتعليمه وتنفق الأموال من أجل ذلك، لكن نجد الآن جيوشاً من الأطفال المتسوّلين وباعة قناني المياه الذين يتوزعون عند تقاطعات الطرق أو يدفعون عربات الحمل وهذا كلّه نتاج الحروب، من الذين فقدوا آباءهم، وتبقى الدولة الآن متفرجة وكأنَّ الامر لا يعنيها وهي تعلم أن هؤلاء الأطفال هم ألغام مؤجلة، ستجعل المجتمع في المستقبل قلقاً غير مستقر، فمتى تنتبه دولتنا إلى هذا الأمر؟.

جليل خزعل/ شاعر وباحث في أدب الاطفال
أنا شخصياً لا استغرب عدم الاهتمام هذا، فقد اعتدت على ذلك خلال مسيرتي الطويلة في ميدان ثقافة الطفل، المبدع الذي يتخصص في هذا المجال يكون في الظل دائمًا، لا تسلّط الأضواء عليه مهما أبدع وتميّز في مجال تخصُّصه، لا أحد يهتم بأمره. وهو محروم من كل الامتيازات التي يتمتَّع بها المبدعون في المجالات الأخرى. ولا اتوقع أن يتحسّن الحال أبداً، لأنَّنا مجتمع يهمّش الطفولة بصورة تثير الدهشة والاستغراب، مجتمع لا يولي أيَّ اهتمام للبرامج أو الخطط التي تعنى بالارتقاء بواقع الطفولة. قضية الطفولة ليست من أوليات أصحاب القرار وواضعي الخطط في بلدنا. وهذا الأمر ينسحب على المؤسَّسات الإعلامية، الحكومية والخاصة على السواء.
ثقافة الطفل ثقافة غير ربحيَّة تحتاج الدعم والتمويل، وأغلب مؤسَّساتنا الإعلامية اليوم تلهث وراء الربح السريع من خلال الإعلانات التجارية والبرامج الهابطة وهو ما يتقاطع مع الرسالة التربويَّة التي تحملها ثقافة الطفل عادة. وحتى المؤسسات التي تحاول أن تظهر بعض الاهتمام بثقافة الطفولة تقوم بهذا الدور من باب إسقاط الفرض لا أكثر ولا أقلَّ، فهي لا تخصّص المبالغ الكافية ولا تستعين بالمختصّين وأصحاب الخبرات العلمية وليس لديها العناصر المدربة بصورة صحيحة لتولي المهمة.

جبار الكواز / أديب و تربوي
تشكّل الطفولة ورعايتها ودعمها تربويَّاً وعلميَّاً وثقافيَّاً واحدة من الأسس التي تعتمدها الأمم التي تفكّر في مستقبلها بوعي واعتزاز، وحين نقارن ما يحدث للطفولة في وطننا ونقارن ما يحدث لها في أمم الأرض من رعاية واهتمام ودعم وبذل وتخطيط علمي تربوي؛ نجد أن العراق كان سابقا ومنذ العهد الملكي هو السبَّاق لمثل هذه الرعاية والدعم، وشخصيَّاً فأنا ممن عاش زمناً كانت الطفولة فيه رغم ضيق ذات اليد تشهد رعاية استثنائية في المدارس من خلال برامج التغذية وطبيعة المناهج والمناشط اللاصفية المصاحبة للعمليَّة التربويَّة وشهد العراق مبادرات خلَّاقة في ذلك، كإصدار المجلّات المتخصّصة بالطفولة والمسابقات الأدبيَّة والفنيَّة على مستوى المحافظات والبلاد كلّها، إضافة إلى الجانب الرياضي والفني من خلال المسابقات الرياضية والأناشيد والتمثيليات والمسرحيات ودروس الموسيقى، وشخصيَّاً ما زلت اتذكّر أستاذ الموسيقى المعلِّم (حسين محمد حيدر) في مدرسة الرشاد وهو يعزف لنا في الصفّ بكمانه معزوفات ترتقي بالذائقة منذ الطفولة، تُرى ما الذي حدث لتنقلب الأمور وتصبح الموسيقى من الممنوعات وتهمل دروس الفنية والرياضة وتتحوّل المدارس الى زرائب لا تليق بالبشر؟.
لقد كنَّا مستبشرين في عراق ما بعد سقوط الشمولية ليعود الى سابق عهده من رعاية لائقة بالطفولة بعيداً عن تسييسها وأدلجتها ضمن القوالب الجامدة والجاهزة فكرياً الا أنَّ (ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن) فهل سفينة عراقنا الآن تتجاذبها الرياح شرقاً وغرباً؟! فضاع اتّجاهها وأفل عزمها ومات ملاحوها، انا لا اعتقد ذلك لأنَّنا شعب واع ومثقّف وكلّ ما جرى وسيجري هدفه أساساً إنسان الوطن العراقي بثقافته وهويَّته وفكره ورؤاه، بوصفه الوطن الذي يضمّ بين جوانحه عطر الحضارات وجذور العطاء الانساني فناً وأدباً وحضارة وإيماناً ورقياً ولأجل النهوض بالعراق مجدَّداً علينا أن ننهض بالطفولة التي هي من سيقود البلاد إلى المستقبل الوضيء، فمعاً من أجل طفولة عراقية تخلق إنساننا الجديد رغم كل المؤامرات والخيبات، فلا نهضة ولا حضارة ولا علم ولا أدب ولا فن في وطن يهمل أطفاله، فهل سيعي المسؤولون أنَّ هذا الإهمال القصدي هو الخطر الأكبر الذي يوجَّه بلدنا وإنسانه وكيانه مستقبلاً ولات حين ندم.

سلام حربة / قاص وسيناريست
منذ عام 2003 والشعب العراقي يعيش أزمة أصلها ثقافي وسببها يكمن في أن إدارة المؤسسات أوكلت لأناس غير جديرين بالمسؤولية، الثقافة أسّ بناء المجتمعات والطريق لحياة حرَّة كريمة ينعم الجميع فيها بالعدالة الاجتماعية والحرية وهي مع الثقافة على النقيض.
إنَّ أزمة الثقافة يعاني منها كلّ أفراد المجتمع العراقي وبالذات الأطفال، فهذه الشريحة الطويلة والعريضة تعاني من الاهمال وليست لديها أيّ حقوق تذكر والدليل على ذلك تفشي ظاهرة التَّسرُّب من المدارس، حتى أن هناك سبعة ملايين أمي في العراق حسب إحصائية وزارة التعليم يشكِّل الاطفال منهم نسبة كبيرة.
إنَّ ما حصل بعد 2003 انعكس بشكل كبير عليهم، فهم منسيون من قبل الحكومات المتعاقبة ويمارس الملايين منهم أشغالاً لا تتناسب طفولتهم وقدراتهم الجسدية، أجبرتهم ظروفهم القاهرة على ممارستها بسبب الوضع الاقتصادي المتردّي في البلد وتحمّل الأطفال مسؤولية الكثير من العوائل او بسبب فقدان ذويهم بسبب الإرهاب وحروبه الدموية في البلد من تفجيرات وتفخيخ واغتيالات وآخرها احتلال داعش لثلث مساحة العراق وتجنيدها للأطفال لتنفيذ العمليات الإرهابية وحشو رؤوسهم بالأفكار المتطرفة التي تدعو إلى العنف والكراهية والقتل.
إنَّ الاطفال الذين هم شباب المستقبل لم يلتفت احد اليهم، خاصَّة وسائل الاعلام والمؤسسات المختصَّة بالطفل، كما أنَّ نظم التعليم بدائية ومتخلَّفة وحاول الطائفيون اللصوص الهيمنة على عقول الاطفال وتفخيخها بالأفكار التي تدعو الى إقصاء الآخرين وتكريس المذهبية وإشاعة الأوهام والخرافات ومحاربة المنطق العلمي وهذا ما نراه في تراجع الوعي الاجتماعي والسلوكيات القبيحة التي غزت شوارعنا ومدارسنا وبتنا نحصد ثمار التخلُّف والسلوكيات المنحرفة الشائنة. من يريد أن يبني مجتمعا عليه أن يبتدئ بالطفل ويجب توفير بيئة صحية له والنهوض بالتعليم الحديث والانفتاح على التقنيات وثقافات العالم وأن تتواجد منظمات المجتمع المدني التي من واجبها الحفاظ على الطفولة ومنع انزلاقها في متاهات الضياع والتوحُّد. الطفل اليوم كائن منسيٌّ، لا أحد يسأل عنه، لا مؤسسات الدولة ولا إعلامها ولا منظمات المجتمع المدني باستثناء البعض منها، لكنَّ صوتها ما زال مقصياً وغير مسموع، إنَّها كارثة حلَّت بالبلد لكنَّ الاطفال طيور الجنة؛ دفعوا ثمناً قاسياً لها من واقع مخرَّب زائف ومن مستقبل مجهول.