جائزة الرافدين للكتاب الأول ..

قاسم سعودي

« التحليل النفسي للوردة» و «ريشة الغراب الأخير» و «أدخل بيتي مثل لص» هي عناوين الكتب الشعرية والقصصية الفائزة بجائزة الرافدين للكتاب الأول «دورة محمد خضير»، وهي مسابقة سنوية في مجال الشعر والقصة والرواية تمنح لكاتب أو كاتبة، ممن لم يسبق لهم النشر، أطلقتها دار الرافدين للنشر والتوزيع، تشجعياً للإبداع العربي وتحفيزاً للمواهب والطاقات الشبابية وإيماناً منها بدور الأدب الرصين في بناء المجتمعات المتقدمة، حيث تمنح الفائزين جائزة فضلاً عن نشر العمل الفائز وتوزيعه في العالم، على أن تسمَّى الدورة في كل سنة باسم رمز إبداعي فارق، شكّل حضوره منعطفاً في تاريخ الأدب العربي عرفاناً بدوره الخلاق، ويشترط في المشاركة والفوز بالجائزة تحقيق قيمة مبتكرة في العمل المنافس وأن يكون الأول لمؤلفه، حيث فاز في فئة الشعر الشاعر علي إبرهيم الياسري عن مجموعته «أدخل بيتي مثل لص» والشاعر وائل السلطان عن مجموعته الشعرية «التحليل النفسي للوردة»، وفي فئة القصة القصيرة فازت القاصة رحمة الراوي عبر مجموعتها القصصية «ريشة الغراب الأخير»، جريدة «بين نهرين» تبارك لمبدعينا الشباب هذا الفوز وتفتح عوالم مدوناتهم الكتابية الفائزة وأسئلة الفرح والتميّز والإبداع .

الشاعر علي إبراهيم الياسري:
كلّ القصة هي أن الساحر رجل مسحور وأن رجلاً كان كلما دخل إلى بيته دخل مثل لص، الشعر فن مواجهة وغياب، فن إعلان وإضمار، فنٌ يضمن أن الخطيئة جوهر القدسية، فكيف يمكن لكتابة أن تكون نهائية، الشعر فن يشبه اللوحة التي تتبدّل كل مرة مع كل ناظر، لوحة فلتت من يد الرسام إلى فم الشاعر، ومن يا ترى الشاعر..؟ آه كم يسأل الشاعر نفسه هذا السؤال..؟ ماذا يفعل الشاعر كي يكتب قصيدة؟ لكن هل هناك أهم من فعل كتابة القصيدة نفسه، القصيدة هي الفعل ولا تحتاج الى مؤثرات، ليست رد فعل ولا يجدر بها أن تكون، حين قررت دار الرافدين أن تنظم مسابقة وحددت موعدا لاستلام المسودات، ولأني لا أجيد الركض أرسلتها متأخرا، وعشت في قلق وأنا أنتظر النتائج، قلق يساوي محنة طباعة كتاب في زمن يلزم الكتاب فيه بدفع أموال لطباعة كتبهم، فزت وابتسمت طويلا ثم قلت بشكل سري أنَّ مناسبة الخسارة لحظة شعرية أكثر من مناسبة الفوز، أن تفوز.. لكن على من؟ أصدقاء كثر لم يحالفهم الحظ لكن الشعر كان حليفهم الأكيد . مجهود نبيل كان من دار الرافدين ومن لجنة التحكيم المميزة جدا، مجهود نبيل لأنه كسر النافذة لأنه هدم الجدران وألغى الحاجة للأطر التقليدية، أما كتابي (أدخل بيتي مثل لص) فهو كتاب مغامر على ما أظن، وهذا ما يجب أن يكون عليه الشعر، لأنه القمة والهاوية، لا أريد أن أعطي تصورا للقارئ قبل صدور الكتاب، لكنّي أدّعي أن كل قصيدة كتبت تحت مبررات شعرية مختلفة، كل قصيدة مهما بدت نقاط التلاقي واضحة كانت بمثابة طريقة لقول أو لهدم قول، كتبت في عتبة الكتاب سؤالا افتراضياً: ـ قل ـ وكيف أقول ما ليس كلاماً !! ..

القاصّة رحمة الراوي:
ككتّاب شباب، في مكان حافل بالقلق، ينتظرنا طريق طويل جدا، ويمكنني القول بثقة، إن مسابقة «دار الرافدين» ستمهد لنا جزءا من هذا الطريق وأعتقد أن السرور بالفوز، سرور بفوزنا، وبالفرصة كلها التي أتيحت لنا والتي ستتاح للذين سيقدّمون في السنوات القادمة، أن يخطوا خطواتهم الأولى الحقيقية في مكان رصين، شاركت بمجموعتي القصصية «ريشة الغراب الأخير»، التي حملت اسم أولى القصص في المجموعة، والتي أعدّها من أهم القصص التي كتبتها، عن مجموعة سجناء يتحوّلون بعد موتهم في السجن إلى غربان، وكيف يتحول طائر مشؤوم لروح إنسان تحلّق.. مع قصص أخرى، يعود زمن كتابة بعضها لعام 2016، أربع وعشرون قصة، اخترتها بعناية لتشكّل المجموعة، كـ «رائحة الليمون»، «قطار الأيام الخائفة»، التي حمل فيه رجل رأس ابنته ليصل فيه إلى خلاصه، وقصص شكّل الخيال البعيد عن ضغط الواقع وهمّه كلّ تفاصيلها، مثل «هاتف الطقس الغائم»، و»أحلام الدفتر» وغيرها.. فبين هموم ذاتية وجدت طريقها بشكل مختلف، ولمحات استلّها الخيال من التفاصيل الحياتية غير المكترث بها، كانت المجموعة.. إنها البداية فقط، كما آمل..

أظن أن مسابقة الرافدين للكتاب الأول هي عتبة مهمة في طريقنا الشعريّ الذي هو ابتداءٌ فقط، وفرحتُ بالفوز لأنه ليس فوزًا لي وحدي إنما لجميع أصدقائي المشاركين وغير المشاركين بهذه المسابقة واحتفلنا جميعاً كأننا شخص واحد في طريقٍ يضيقُ على الجميع و يتسعُ بنا، أن قيمةُ المسابقة أنها تُشير لنا فقط وهذا ما علينا أن نفهمهُ من الجوائز الأدبية أنها تُشير لكَ ولا تقيّمك، عملتُ على هذه المجموعة ثلاث سنوات من القلق والحذف والإضافة المستمرة حتى قُدِّمت بهذه الصيغة الأخيرة تحت عنوان «التحليل النفسي للوردة»، وتشكّلت المجموعة من 42 نصاً بدأتُها بنفسي وانتهيت بالآخر، وفي ما بيننا تسيلُ العوالمُ والأمكنة والأزمنة مثل نهرٍ لا ينقطع جريانه إلى الأبد ولا يستطيع المرء أن يغتسل به مرّتين، كما أن المجموعة الشعرية تعاملت مع عدّة ثيماتٍ كالطبيعة وهي تكادُ تكونُ انطباعاً شاملاً، والحرب من وجهات نظرٍ اهملها العالم المأخوذ بالسرعة والنسيان، وكذلك المرأةُ التي تكادُ تمسحُ بكلّ أنوثتها وحبّها على رؤوس القصائد كلها، القصائد هنا تأتي هادئة متأملة كحكمة الأشجار وصبر المياه على التدفق المستمر، منذ العنوان الأول «روح الوردة الهادئة» يدخلُ القارئ في جوٍّ حميم مثل عناقٍ مستمر، وبجملةٍ مموسقةٍ حتى يخرج من النصّ الاخير «إلى قارئ» وهو يعرفُ الكثيرَ عن «الحديقةِ في الليل» وعن «الأغاني التي تضيعُ في كلّ مكان» و «يفسّر لغة الطير» وفي جيبه «نجمة مجففة» يضعها على نافذةٍ تطلّ على «غرفة الفتاة الحالمة» ويبقى وحيداً يفكر أن «كل الدروب لا تصل، كل الأصوات بلا حنجرة».