جامع النص والتعاليات النصية

علي حسن الفواز

من الصعب الحديث عن تبسيط منهجي في تداول مفهوم(جامع النص) لعلاقة هذا الحديث مع جملة من الأطروحات التي تُعنى بمفهوم النص ذاته، بوصفه وحدة لسانية و حتى سيميائية، لها قابلية التعبير عن أفكار ومواقف وتصورات ورسائل تدخل في سياق تداوليته، أو سياق توصيفي أكثر تعقيدا، حيث يكون النص خطابا، وهذا المُعطى هو ما يعزز أهمية التفاعل والتواصل، بوصف الخطاب كما يقول بنفنست بأنه(الملفوظ المنظور اليه من وجهة اليات وعمليات اشتغاله في التواصل)1

ومن هنا يقترح هذا الخطاب في السياق التداولي جملة من التعالقات او المتعاليات التي تجعله يتسع لمختلف العلاقات النصية، حيث يكون جامع النص هو المجال الذي ناقش من خلاله جيرار جينيت موضوع الاجناس الأدبية، والتمييز بينهما، وعبر تعريف ينطلق من فهم هذا المتعالي النصي بوصفه (مجموع الخصائص العامة أو المتعالية التي ينتمي إليها كل نص على حدة)2

دراسة جينيت لمفهوم لـ (جامع النص) استقت مقارباتها لمفهوم الجنس الادبي، ومفهوم الشعرية من خلال ايجاد مقاربة مع تصورات تاريخية ونقدية تعنى بموضع التعالقات النصوصية، والتي هي جوهر موضوع الشعرية، تلك التي لاتنظر للنص في حالته الفردية، بل في سياق تعالقه في الجامع النصوصي.
موضوع الشعرية يوسع أفق دراسة الاجناس الأدبية والتعريف بها، فضلا عن كونه تجديدا لما تحدث عنه افلاطون في جمهوريته، والخاص بعلاقة الشعر مع التمثيل، وكذلك ماتحدث به ارسطو عن الفكرة القائلة بأهمية بعض الاجناس الادبية، لاسيما في الشعر الغنائي والملحمي والمسرحي/ الدرامي، وهذا ما يعطي لجامع النص أهمينه في أن يكون النظام التأليفي القائم على اساس نظرية هذه الاجناس..
تطور مفهوم الاجناس اقترن بتطورات تاريخية مهمة، تطورت معها الوظيفة والمصطلح، والسياق، لاسيما عند ملتون وهوراس وعند الرومانتيكيين الالمان والانكليز وعند هولدرلين، وعند الفلاسفة شليغل وهيغل، وعند الشكلانيين وعند نثروب فراي وصولا الى اطروحات باختين وتودوروف وجان جينيت وجوليا كرستيفيا، ونقاد مرحلة البنيوية ومابعدها..

الشعرية وتحولاتها المفهومية

حين تحولت هذه الشعرية الى قياس في الحكم الادبي، وفي التعرف على طبيعة الاجناس الأدبية، فأن الاطار المفهومي لـ(الشعرية) ارتبط بعلاقة موضوعية ووظيفية مع النص، وهو اشار اليه جينيت بقوله: لم يعد النص هو موضوع الشعرية، بل جامع النص أي مجموع الخصائص العامة أو المتعالية التي ينتمي إليها كل نص على حدة. ونذكر من هذا الأنواع: أصناف الخطابات وصيغ التعبير والأجناس الأدبية.
هذا المُعطى أفقد الحدود الصارمة بين الاجناس الادبية والفنية قوتها وفاعليتها، ومن منطلق معاينة أكثر جدّة لمفهوم الجنس ذاته، والتي قال عنها تودوروف بـ (أن الشعرية برمتها تتجاوز الأجناس الأدبية، ولا تراعي سوى النسق الذي يشكل خطاباتها، وأنّ الاهتمام بالأجناس الأدبية قد يبدو في أيامنا هذه تزجية للوقت لا نفع فيه إن لم يكن مغلوطا تاريخيا)3
اطروحات وستراتجيات النقد الجديد، اسست الى حركة نقدية وفكرية أكثر تحفيزا للفهم والتلقي والتواصل ، ولاعادة التعامل مع النص الادبي، وفي التعاطي مع الظاهرة الادبية، وصلتها باللسانيات السيميائية، والشعرية الكلاسيكية، حيث اسهمت في وضع تصورات عن ماهو جديد في تقسم الاجناس الادبية، وعن جوامع هذه الاجناس، على مستوى تطور انواع الرواية بشكل خاص، وعلى طبيعة علاقتها الجنسوية مع التاريخ والحكايات، ومن خلال اللتموضع في شبكة من التعاليات النصية او العلاقات النصية، على مستوى التداخل والتجاور، أو على مستوى المعمار النصي أي جامع النص، حيث تدفع النص نحو عدد من الاجناس التجريبية لسانية، سيميائية، تشكيلية، حيث يستدعي السارد الخطوط والصور الى الفضاء السردي، وابتكار الوظيفة الجديدة التي تحفز عملية التلقي، فضلا عن تحفيز ماهو معرفي وعبر انظمة من العلاقات قوامها التأويل..
جامع النص، أو معمار النص أو الكتابة كما يسميها ادونيس تضع فكرة التأليف أمام جملة من التصورات، حيث تكون الكتابة هي الفعل الجامع الذي يستدعي النصوص المجاورة أو الغائبة، أو أنها ستكون نتاج تفاعل نصوص لا حصر لها مخزونة في ذهن المبدع، أو كما سمّاه بارت في درسه السيميولوجي بأنها( نسيج من الاقتباسات والإحالات والأصداء ، من اللغات الثقافية السابقة أو المعاصرة التي تخترقه بكامله)4
جامع النص هو المجال الفاعل الذي انفق جينيت له جهدا واضحا، من خلال دراسته للاجناس الادبية، إذ حاول( تتبع حضورها منذ ظهور شعرية ارسطو وافلاطون وصولا الى عصر متأخر، أي من زمن اختزالها في المحاكاة الى زمن تحولها الى التعبيرية ومابعدها) 5
لاينفصل عن التعاليات النصية الأخرى، تلك التي تضع النص في علاقة، سواء كانت واضحة أو خفية بنصوص أخرى، وقد قسّم جينيت هذه التعاليات الى خمسة تصنيفات.
أ‌. التناص حضور مشترك بين نصين أو أكثر
ب‌. النص الموازي ويسمى التوازي النصي ويقصد به جميع المعلومات الهامشية والتكميلية التي تدور حول النص، أي كل النصوص المحيطة بالنص الاصلي، كالعناوين، والهوامش، الاهداءات، الاعلانات.
ت‌. الميتناصية : وتسمى أيضا الميتانص أو النصية الواصفة ويقصد بها النص الذي يتكلم عن العلاقة بين نصين أو أكثر، أي علاقة التفسير والتعليق.
ث‌. النصية المتفرعة : وتسمى أيضا التوالد النصي ، ويشرحها جينيت بوجود نصين أحدهما أصلي سابق والآخر فرعي لاحق ، وجينيت في كتابه «طروس» يعطي مثالا عن ذلك بنصي الإلياذة والأوديسا ، فالإلياذة نص متفرع من نص أصلي هو الأوديسا .
ج‌. -المعمارية النصية : وتسمى أيضا النصية الجامعة، وهي مصطلح جديد ذي طاقة تجريدية ويشتغل على شبكة مفهومية لها جهازها النظري..

هذا النمط تناوله جينيت في كتابه « مدخل لجامع النص « حيث يقول: وأضع أخيرا ضمن التعالي النصي علاقة التداخل التي تقرن النص بمختلف أنماط الخطاب التي ينتمي إليها النص ، وفي هذا الإطار تدخل الأجناس وتحديداتها ، وهي المتعلقة بالموضوع والصفة والشكل، ونميزها على المجموع حسب ما يحتمله الموقف)6
هذا الرأي لم يظل ثابتا عند جينيت، إذ سرعان ما ما عدّله في كتابه أطراس 1983، ومن منطلق أنّ موضوع الشعرية اصبح هو جوهر النصية المتعالية أو المتعاليات النصية يقول بهذا الصدد: لا يهمني النص حاليا إلا من حيث تعاليه النصي، أي أن أعرف كل ما يجعله في علاقة خفية أو جلية مع غيره من النصوص، وهذا ما أطلق عليه التعالي النصي وأضمنه التداخل النصي (التناص)7
لقد درست جينيت جامع النص بوصفها علاقة اكثر تجريدا، واكثر احتواء ايضا، حيث تُحدد هذه العلاقة انتماء نص ما الى جنسٍ ما، وهو ما جعلته يسميها ب(البكماء) تأسيسا على احالتها الأثر على جنس، وهو ماجعله مصدرا اساسيا بالنسبة الى انتاج النص، على مستوى تأطير انخراطه في نظم معينة، أو على مستوى تأثيره في تلقي هذا النص..