جدل الفنان إبراهيم جلال الموشى بالحرير

د. فاضل سوداني

فرض المخرج العراقي إبراهيم جلال ملَكة الجدل على المسرح العراقي والعربي، بمعنى التحاور والجدل مع النص والممثل والجمهور والواقع . ولقد ساعده فهمه لنظرية برشت للوصول الى اسلوب شعبي في المسرح تمثيلا واخراجا كما في بونتيلا، ومسرحية المتنبي، ودائرة الفحم البغدادية والمسرحيات الاخرى .
و كان يؤكد دائما على ضرورة إبراز التناقضات الاجتماعية والفهم الصائب للعلاقة الجدلية بين القديم والجديد، فالواقع يحمل في داخله تناقضه الحاد، والذات تحمل شيزوفرينيتها. ومن هنا جاء حرص ابراهيم جلال على طرح الاسئلة الصعبة مثل :
ماهو الفن؟ وماهي المشكلة؟
ومن هو المتلقي ؟
(وكان هذا هو درسي الاول في فهم المسرح في اول محاضرة يلقيها علينا جلال في الأكاديمية )
ان مواجهة إبراهيم جلال لهذه الاسئلة دفعته الى ان يؤمن بان المسرح لا يقدم اجوبة جاهزة بل أسئلة متواصلة تثير القلق لكنها تمنح سعادة الاكتشاف.
ولهذا كان يحاول الوصول وامتلاك الاسلوب الفني المتميز في المسرح من خلال المزاوجة بين نظرية برشت الملحمية وبين واقعية ستانسلافسكيي العاطفية.وقد اخذ من برشت الجدل العقلي واسلوب الاخراج الملحمي ومن ستانسلافسكي الاسلوب الواقعي والحس الشعبي .
فهو لم يفهم برشت على انه قاموس لمقولات فلسفية وعقلية جامدة، وانما استوعبه ايضا من حيث ان هذه المقولات لا يمكن ان تصل الى الجمهور كعاطفة ثرثارة، حتى لايكون المسرح متحفا للشمع وألا يكون الممثل مهرجا فكها، لهذا فان المخرج يؤكد دائما على المزاوجة بين الفكر ، والعقل وجذوة الروح .
والمتابع الواعي لعمل جلال يستطيع ان يؤشر مكونات فكره الاخراجي :
ـ يعتمد على تحليل تأويلي، فلسفي وسياسي للنص من اجل الوصول الى فكرته الجوهرية المخفية أي الوصول الى ماوراء النص ،.
ـ تحمل لغته المسرحية دفقا من العاطفة (الثرثارة احيانا) مما يسقط مسرحه بالمباشرة الساذجة ، والطفولية في الفن التي تدفعه الى التزينية في الديكور والفكرة والحركة اما في الواقعية الخشنة او الحركة الثرثارة كما في اخراجه لمسرحية (عقدة حمار) لعادل كاظم ومسرحية (ستة دراهم ) ليوسف العاني حيث لجأ جلال الى التزين الاخراجي والمبالغة في تحميل الافكار البسيطة اكثر من طاقتها ، فمسرحية العاني تعد ساذجة ثيمة وشكلا ومعالجة ولغة ولها علاقة بمرحلتها التي كتبت فيها والتي لا تتناسب مع فترة السبعينات من القرن الماضي، لذا فان محاولة جلال لانقاذها وتحميلها ادت الى جعلها اكثر سذاجة .
ـ فهمَ جلال المسرح كونه عملا تركيبيا يخلقه كل من المؤلف والممثل والسينوغرافيا ولانساق الاخرى التي تسهم في خلق العرض ، ولكن دور كل منهم يتحدد لخدمة تحقيق فكر المخرج ورؤاه الاخراجية .
ـ لهذا فانه يفهم العلاقة بين المؤلف والمخرج هي علاقة صراع / جدل / تحاور / تناقض من اجل التكامل الفكري والفني . وبما ان اغلب المؤلفين يكتبون بلغة ادبية وغير قادرين على الكتابة بلغة بصرية، فان جلال يطالب المؤلف بتطوير ادواته الكتابية والابداعية وان يفهم البعد الزمني للحدث والصراع على خشبة المسرح وليس على الورق (في النص ) . وبمعنى آخر فهم الزمن والايقاع وديناميكية الفعل البصري والحدث وضرورة رؤيته في العرض المستقبلي . ولهذا انه بحث طويلا عن المؤلف العراقي او العربي الذي يفهم تكنيك وسائل الابداع للعرض المسرحي وليس فقط متطلبات التأليف الادبي .
وما نراه واضحا في عمل المخرج لتحقيق فكره الاخراجي وتحقيق العملية الاخراجية في خطوات تعتمد على تفكيك النص وبالتالي تشكيل الرؤيا الإخراجية ببصيرة متوهجة يمكن ان تصبح منهجا نتبعه في تفكيك النص للوصول الى رؤيا العرض بالرغم من أن لكل مخرج طريقته وتفكيره الخاص، ويمكن تطبيق هذا المفهوم في تحليل الرؤيا الاخراجية لإبراهيم جلال من خلال اعماله المتعددة وخاصة البيك والسائق والمتنبي :

فبعد المرحلة الاولى التي هي كتابة النص من قبل المؤلف يبدأ عمل المخرج مع المؤلف لاعادة الصياغة من جديد أي تبدأ :

المرحلة الثانية
التي تعتبر كتابة اولى للعرض المسرحي والتي يتم فيها الكثير من التغيرات الجوهرية في النص ، اعادة كتابة الكثير من المقاطع والحوارات ، وحذف الكثير منها . كون المخرج يرى النص بصريا ورؤيويا ، مما يفرض على المؤلف اعادة الكتابة. فالنص بالنسبة للمخرج هو مادة اولية غامضة يجب الوصول الى تكاملها .

المرحلة الثالثة
وهي مرحلة دراسة المخرج للنص وحده، وتبدأ عندما يقوم ابراهيم جلال كمخرج بتحليل النص من خلال ذاته الاخراجية الابداعية ، وتعتبر مرحلة خلق بصري جديد للنص من خلال وسائل العرض لكي يتوصل للكشف عن غير المرئي في العلاقات والاحداث ونموها كسعي حثيث لتكامل صورة العرض. وتعتبر كتابة ثالثة للنص وفي ذات الوقت تعتبر كتابة ثانية للعرض ، وفي هذه المرحلة ايضا لايكف المخرج عن ملاحقة المؤلف في ازالة الكثير من غموض النص المتأتية من التباسات الاسلوب الادبي.

المرحلة الرابعة
وهي مرحلة تحقيق فكر المخرج من خلال الممثل وكذلك جميع العاملين في العرض من ديكور وإنارة ولون وجميع الانساق الأخرى ، وتعتبر ايضا كتابة ثالثة لخلق العرض المسرحي وهي مرحلة رابعة لكتابة النص بصريا . وهنا يكتشف المخرج بان الكثير من المدلولات النصية الأدبية لا ينسجم مع لغة جسد الممثل التعبيرية في الفضاء ، لانه يبغي دائما في عروضه الإخراجية الى خلق الطاقة التعبيرية لجسد الممثل في فضاء المسرح . فالفضاء المسرحي لدى جلال هو حيز للتعبير الفلسفي والجمالي للعرض . وهنا يبدا الارتجال الاخراجي والابداعي .

المرحلة الخامسة
وهي تعتمد على ارتجال الممثل في الفضاء وامام الجمهور وتعتبر كتابة رابعة للعرض المسرحي وهي مرحلة يكون الممثل فيها قد اكتشف فكر المخرج والعرض وادواته لتحقيق الشخصية وخلق الفضاء امام الجمهور.ان الممثل في هذه المرحلة يكتشف مهاراته ويطورها امام الجمهور في كل يوم عرض ويصبح التمثيل بالنسبة له موسيقى المهارة ، لهذا فان جلال طالب الممثل ان يتمكن من حيز الارتجال حتى تكون لغته فنية متفردة .
المرحلة السادسة :هي التفاعلية والتي هي طبيعة العلاقة مع الجمهور اي اكتشاف اللغة التي تخلق التواصل مع مبدع آخر هو الجمهور .