جرائم العالم السوريالي عبقرية أن تسرق مليارات من لا أحد

وسام هاشم

في قاعدة بيانات الأفلام العالمية حاز المسلسل الإسباني «بيت الورق» “ la casa de papel “ على 8.6 من المكون من 10.
وحاز قبل الأرقام هذه على اهتمام عالمي على مستويين نادرا ما يتفقا، المستوى الأول هو الفني والنقدي ومتطلباتهما العالية والمستوى الشعبي من حيث عدد المشاهدين والمتابعين لأحداثه والأثر الذي خلفه المسلسل في الحياة العامة واليومية في أوروبا والعالم، حتى ان صحفيا إسبانيا قال في أحد البرامج الصباحية «…. لا يمكن ان يجتمع موظفان على فنجان قهوة قبيل بدء دوامهم الرسمي الا وتحدثا عن بيت الورق».
اننا هنا نتحدث عن عمل فني صار ظاهرة سينمائية، عن فيلم سينمائي مسلسل تتمحور قصته حول جريمة سرقة كالمعتاد، لكنها سرقة ذكية ومحسوبة بدقة متناهية لدرجة الاكتمال على عكس النظرية التي تقول لا جريمة كاملة، قصة سطو مسلح والسيطرة على دار السك النقدي الإسباني في مدريد واحتكار رهائن، غالبيتهم من موظفي وعمال المطبوعة الخاصة بطباعة العملة لفترة تجاوزت العشرة أيام انتهت بسرقة نحو مليار يورو كان مخططا لها ان تكون ملياري و400 ألف يورو في تقسيم عادل من قبل اللصوص بين دول الاتحاد الأوروبي.
الملفت في هذا العمل الفني هو الإيقاع النفسي والفكري إضافة إلى الإيقاع الزمني المتعارف عليه طبعا، والتي تتحكم بها جميعا بنية السيناريو تحكما غاية في المهارة والحسبان .
المؤلف والسيناريست هو أليكس بينا “Alex Pina” معه عدد كبير من الكتاب، وهو القائد الفعلي للعمل وليس المخرج كما هو متعارف عليه، بدليل ان إخراج الحلقات كان بمشاركة عدد من المخرجين وليس لمخرج معين.
ان ضياع جملة واحدة من الحوار قد تربك المشاهد وتربك تراتبية الأحداث بل ان إغفال تفصيل صغير من [ كادر] اي مشهد أو حوار يكشف غنى أو فقر عين المشاهد. ناقدا أو متفرجا عاديا، ولعل هذه ميزة أخرى تضاف إلى ميزات؛ «بيت الورق» صعبة الإحصاء، وهذا ما يمكن ان نقول عنه انه يربي ويغذي ويمنح العافية لذائقة المتلقي بكل مستوياته، بما يسهم في نمو متصاعد في الحس الدرامي والفكري والشعور بالتبادل مع الشخصيات، الأبطال والثانويين، لكن هل هناك في «بيت الورق» بطل أو بطلان محددان؟ سيجيب غالبية من شاهد المسلسل بالنفي عن هذا السؤال، الا في المناخ العام للقصة وحبكتها هناك من يرى في شخصية «البروفيسور» أو ربما «طوكيو» أبطالا مميزين عن باقي الشخصيات.
طوكيو؟ سيتساءل القارئ، خاصة الذي لم يشاهد العمل بعد، كيف لمدينة طوكيو أن تروي حكاية سرقة دار السك الإسباني؟ والإجابة على هذا السؤال تنقلنا الى البعد السياسي المقصود في ان تبنى القصة كلها على ان [ البروفسور] قائد ومنظم عملية السطو العبقرية اقترح على لصوصه، الذين انتقاهم بعناية ودون معرفة سابقة بعضهم لبعض، اختيار اسماء مدن كاسماء مستعارة فكانت «طوكيو» الفتاة المثيرة الشبقة والمتمردة و»نيروبي» المرأة الثانية في فريق اللصوص وهي محترفة تزوير العملات و»ريو» الشاب المولع والمحترف أيضا لعالم الكومبيوتر والاتصالات و»برلين» القائد للمجموعة من داخل دار السك، المصاب بمرض عصبي مميت والمهووس بالأحلام القيادية والذي سيتضح في نهاية العملية انه الشقيق الأكبر للبروفيسور الذي بقي خارج البنك ودار السك متحركا بحرية تامة، منقذا ومصححا للأخطاء التي كان بعضها مميتا، وهناك أيضا «موسكو» وابنه « دنيفر» المحتالان المحترفان، ثم التوأم «أوسلو» و»هلسنكي» الصربيان الضخمان المقاتلان.
نظرة واحدة لمن قتل ومن عاش من هذه المدن اللصوص تكفي لمعرفة البعد السياسي ولمعرفة ان كاتب السيناريو ومؤلفه اختار بعناية وقصدية تامة ان «برلين» اللص المريض والمدينة الفاعلة في الاتحاد الأوروبي،هو أشد المدافعين والمنتمين لفكرة السطو السرقة وقد قاتل قتالا مريرا منقذا العملية في لحظاتها الأخيرة الحرجة بعمل يمكن تسميته انتحاريا.

الحب والجريمة

في أولى أهم ثلاث توصيات أو قوانين لعبة السطو التي دونها البرفيسور فوق سبورة رسم الخطة ملقنا تلامذته اللصوص، أكد ان لا علاقات حميمية ولا حب، معتبرا هذا الأمر من المهلكات للعملية ونجاحها، غير ان الذي حدث عكس هذا تماما بل ان البروفيسور ذاته وقع في حب الضابطة المفاوضة وارتبط معها بعلاقة ستكون ناجحة جدا بالرغم من مخاطرها التي كادت تودي بالعملية وبحياة كل منهما، والأمر نفسه حدث مع طوكيو الشبقة و ريو النزق اللذين أيضا كادا ان يفقدا حياتهما بعد ان اعتبرها القائد الداخلي «برلين» خارجة عن قانون العملية وفي لحظة جنون عظمة يسلمها بطريقة درامية الى قوات الشرطة المحاصرة وينجح البروفيسور المتحرك الحر في انقاذها وفقا لخطة إنقاذ بديلة معدة سلفا، ولم ينج دنيفر من عشق وإقامة علاقة جنسية مع احدى الموظفات المختطفات والتي انضمت للخاطفين بسبب هذه العلاقة العاطفية بل ان «برلين « المتشدد نفسه وقع في فخ العشق الموهوم الذي نصبته له احدى المختطفات في محاولة منها للنجاة لم تفلح حين اكتشف الأمر واختار ان تقتل معه في عمليته الانتحارية.
من هذا يتضح ان البروفيسور الذي حذر بما يشبه القانون من علاقات الحب الذي كان مدركا حتمية ان تحدث في عملية التجار واختطاف رهائن طويلة نسبيا، وهنا أيضا تكمن عبقريته في فهم ان الحب والجريمة لايمكن ان ينفصلا في عملية كهذه بل يمكن تطويع احدهما لخدمة الآخر، والتحذير كان احترازيا لا أكثر.

لا نسرق من أحد

سيقول البروفيسور هذا لحبيبته الضابطة المفاوضة في لحظة صدق غيرت موقفها من العملية كلها وأربكت حساباتها كضابطة تمثل القانون شارحا لها السبب في كونه وعصابته إنما اضطروا لطباعة مليارين و400 ألف يورو بأرقام لا يمكن متابعتها والعثور عليها ولم يسرقوا من الخزينة العامة وأموال الناس عاريا إلى انهم بهذا يسرقون كفقراء من النظام المصرفي الأوروبي الغني والمخادع الذي سبق ان اغرق السوق باليورو غير المغطى لسد النقوصات المالية ولإنقاذ الأثرياء من الأزمات الاقتصادية وآخرها أزمة أوروبا التي ضربت اليونان وإسبانيا بعد انتهاء العقد الأول من القرن الحالي.

ضوابط وقوانين وفن اللصوص الظرفاء

– لا قتل ولا قتلى ولكن كما يبدو لا يمكن لجريمة كبيرة ان تتجاوز الدم.
– لاحب ولا جنس في عمليات السطو الكبرى وكأن « بيت الورق « أراد ان يقول الحب في كل مكان حتى في أكبر جرائم السطو المسلح.
– جرائم العالم السوريالي الذي نعيشه سوريالية أيضا ونحيل هنا الى استخدام اللصوص لقناع وجه الفنان سلفادور دالي الساخر بمهارة عالية خاصة حين اجبر المحتجزون على ارتدائه مع اللصوص لإرباك قوات الأمن المحاصرة للمبنى.
– الإيقاع مقياس الجمال والنجاح وهنا نذكر ان الزمن الفعلي الواقعي للعملية كان 11 يوما وزع على زمن فني 22 حلقة اي بواقع حلقتين لكل يوم.
– السيناريو هو من يقود العمل الفني السينمائي الناجح، تلك مقولة وهتاف رفعه كل من عمل في انتاج « بيت الورق».
– فاز «بيت الورق» بجائزة “Emmy” كأفضل عمل درامي وسبع جوائر أخرى من أصل 14 جائزة رشح لها.