جماليات السمو

ادريس كثير 

السمو أو الرقي لا يكون كاملاً مكمولاً إلا إذا كان يرنو إلى السامي المتعالي العظيم والمهيب. والمهيب (سوبليموس) يثير الخوف والمهابة في النفوس. خاصة تلك النفوس العطشى والظمأى من نكتار الآلهة وكوثرها. «العظيم» هو ما نطمح إليه وننتظر رحمته ونتملّى عفوه، لا ركوعاً وسجوداً فقط وإنما نتوسّله فنياً وجمالياً. وهي الطريقة الإنسانية المكينة التي تتوفر عليها الفنانة إيمان ميكو للتّملي في الرهيف بالتوسط العفيف وباللون الشفيف.

الطريق إلى المهيب كالطريق إلى غالطا. لا تقلّ – أي الطريق وغالطا معا – أهمية من رقيّ العظيم، كلاهما من دربي الإبداع (أوكتافيو باث).السير نحو غالطا لا ينعدم، كلّما ذرعناه وخطوناه، وفي كل لحظة، نتيه ونفقد أواصرنا. الدرب يدور حول نفسه لا يؤدي إلا إلى مسار آخر يشبهه، كذلك النص النثري أو الشعري وكذلك اللون والرسوم. هذه النصوص والرسوم لا تؤدي إلا إلى ذاتها، هي مرايا فيها انكسارات وتشظيّات، تتراءى لنا هذه الأخيرة في انكسار العديد من قوائم السلالم وفي انحسار الضوء في العديد من الألوان وفي انبثاق الفوهات في شكل أبواب ودوائر وانفراجات تدل على ضوء هارب من جهة السماء في لوحات الفنانة.
يبدو في ما يشبه الحلم أو الرؤيا أن الفنانة إيمان ميكو تقول محاكية أ. باث:
«أنا امرأة: قوية قليلاً
والليل طويل شاسع
لكنّي أرى نحو الأعلى
وتكتبني النجوم.
دون أن أفهم، أدرك
بأنَّني أنا أيضا كتابة ورسوم
وفي هذه اللحظة شخص ما يقرأني يتهجّاني
ويتأمل سلالمي».
هناك سلالم عدة، السلم اللوغاريتمي وهو نسق حسابي بمتوالية هندسية، وسلم رايشتر لقياس الزلازل وسلم مونيي؛ سلم الأعمال المنزلية والسلم الموسيقي السولفيج والسلم الكروماتي اللوني. في الموسيقى يتكوّن السلم من اثنتي عشرة درجة فيها الصاعد والنازل وهو في الألوان دائرة لونية نموذجها قوس قزح فيها تحديد علاقات الألوان فيما بينها. والسلم في اليونانية يدعى «كليماكس» وهو يشير بلاغيّاً إلى التراتبية وإلى التصنيف من أسفل إلى أعلى أو العكس. وفي المسرح أو السينما يعني قمة العمل الفني كما يشير في مجال الإكولوجيا إلى التوازن الحاصل بين مختلف النباتات والسلم لغة هو التقدم درجات في الخطاب.
كلّ هذه الدلالات يمكن حدسها في لوحات الفنانة، السلم هو الموضوعة الرئيسة فيها، بوضعيات عديدة، منكسرة معطوبة مشتتة مائلة خشبية مواربة متقاطعة مع نفسها أو شبيهها أحيانا بظلها وأحيانا أخرى بدون ظل، إلى حد رسمها في أحشاء وجسد الإنسان وبألوان مختلفة: الأصفر والأحمر والأبيض.
وما يضفي على السلم غنى هذه المعاني هما موتيفات: الإنسان والأبواب، لا توجد السلالم بدون أبواب وبدون إنسان. فالأبواب كناية عن الفتحات والمداخل والولوج والانفتاح وما وراء الداخل أو الخارج حسب الموقع الذي يوجد فيه الناظر المتأمل للوحات الفنانة. وهي نوافد وممرات منها يتم الارتقاء نحو الهناك نحو البرزخ الذي لا تدل عليه سوى الألوان، قزحية أحياناً رمادية غالباً.
الألوان المعتمدة لا تخلو من لمسة حزينة، فلا وجود للألوان البهيجة المفرحة ذات النور الساطع الوضاء البهي، وإذا عثرنا على لون أصفر أو أحمر فاتح فهو إشارة خفيفة للأمل ولما يستحق الحياة و استمراريتها. لمسة الحزن تلك تشير إلى الطموح العارم الذي يحرّك ريشة الفنانة إيمان ميكو، فهي تروم تحقيق سمو في الأعالي ولا تستطيع ذلك كلية، لأنَّ الأعالي مجهولة غير معروفة لا نهائية مدهشة مذهلة، فشل بلوغها يولّد عناد الاستمرار في البحث والرسم و التشكيل.
وهذا الإلحاح ملمح إبداعي يثابر ولا يكلّ بغية بلوغ ما لا يمكن بلوغه، إنَّها «التجربة المطلقة»، التجربة الحقيقية التي تنطلق من وعي أو محاولة وعي لمتعالٍ وهو وعي بموضوع لا يدرك إلا في غيابه في اللامكان واللازمان، إنها تجربة محاولة وضع اللامحسوس في المحسوس أو تمثيل ما لا يمثل، وهي تجربة إستطيقية تروم البحث عن الجمال والمهيب في آن واحد، تجربة تعكسها لوحات الفنانة هاته بكل هالاتها.
الهالة هي «النور الذي يحيط بالعمل الفني أو يبدو أنه يحيط به»، يمكنها أن تظهر من خلال عدة ألوان كهالة قوس قزح، نور وضّاح خفيف السطوع ينبعث من فتحة لمسة الحزن، الهالة لا يمكن شرحها ولا تعليلها . «أكمل الأعمال الفنية تفتقد دوما لشيء ما، تفتقد لوحدة وجودها في المكان أو الحيّز الذي توجد فيه، تلك هي هالتها» (والتر بنيامين). من شروط الهالة حسب هذا الأخير الأصالة والتميّز وهما ما يفرد للهالة سرعتها الشبيهة بسرعة النجوم الهاربة في المجال الفني والاستطيقي، إنَّها الظهور الوحيد للبعيد وهو في أجلى قربه.
الهالة تدرك بأثرها لكنّها تغشانا كلية بتأثيراتها وتغمرنا كل الانغمار.

* باحث في الجماليات.