جون ديو .. الفضائل الخلفية

كاظم لفتة جبر

بعدما كانت العادة هي الأساس الاخلاقي التي اعتمدتها شعوب الحضارات القديمة لما تحمله في طيّاتها ومكنونات وجودها من مثُل وطقوس رجعية تكونت من فطرة الانسان البدائي للأخلاق. ما إن جاءت الحضارة اليونانية لتأخذ وجهة الرمح الذي أطلقته الحضارات القديمة صوب العقل بوصفه السبيل الاقرب لجعل الرمح يصل الى هدفه بدقة وثبات، لذلك جعلوا منطق تفكيرهم الاخلاقي منصباً بين ضفتين هما السبيل والغاية، فسبيل السعادة الاعتدال الذي يجعلنا نعبر أمواج نهر الحياة بمأمن وطمأنينة، فهو الهدوء التي ترتقي به النفس الإنسانية نحو غايتها.

باتت النظرية الخلقية في اليونان منذ ذلك الوقت تتصوّر أن عملها الرئيس يتمثّل في اكتشاف غاية نهاية للخير، فالغاية هي العامل المشترك بين النظريات الخلقية مهما كانت درجة اختلافها فاعتبرها البعض الولاء، وآخرون وجدوها في المبدأ الأعلى في الارادة الالهية او إرادة الحاكم للدولة، فالوعي العقلي يتجسّد في فعل الواجب الاخلاقي وفق القواعد والقوانين العقلية كما أكدت بعض النظريات الأخرى ربط الخير بتحقيق الذات، وبعضهم بالطهارة، وبعضهم بالحصول على أكبر قدر من السعادة، لهذا اتّفقت أكثر المدارس الفلسفية على وجود خير واحد نهائي ومحدّد، كما أن الانطلاق من مقدمة واحدة سبب في الخلافات التي ظهرت بينهم.
الا أن الفيلسوف البراغماتي الأميركي جون ديوي (1859_1952) يرى أنَّ العقل اليوناني لا يصلح أن يدير المنظومة الاخلاقية للشعوب المتطورة بسبب تعدد الغايات ومعاني الخير، فتحولت القواعد الخلقية إلى مبادئ، وتعدّلت المبادئ إلى مناهج للفهم والإدراك، المفاهيم الاخلاقية اليونانية تقوم على مبدأين؛ هما السبيل والغاية أو الاداة والجوهر، فتلك المبادئ فصَّلت المثل الخلقية العليا بالحياة اليومية العملية، كذلك نفسها التي جعلت ارسطو (384_ 322 ق، م) يفرّق بين العبيد والطبقات العليا اليونانية في مهمة التفكير، أي جعل التفكير مقتصراً على ثلة قليلة من الناس دون غيرهم، فهذا التفكير بحسب جون ديوي هو النظام الإقطاعي لعقلية التفكير الحر. فمناهج الكليات أصبحت لا تعبّر عن وعي التفكير الانساني المعاصر لما فيها من تغيّب للجزئيات، فليس كل فعل أخلاقي يكون فريداً ولا يمكن تبديل الخير الناتج عنه.
فديوي يرى أن العالم المادي عالم نسبي وليس كلياً، والقوانين الاخلاقية يجب أن تكون ملائمة للنسبيات، فيرى أنَّ النظرية البراغماتية هي التي تصون الانسان وتحفظ أخلاقه من حيث إنَّها تنصّ على أن معرفة معنى الفكرة يكمن في نتائجها، اذا أردت معرفة معنى الفكرة عليك البحث عن نتائجها، فالصفة الأخلاقية الأولى والفريدة تتمثّل في انتقال الواجب الخلقي والمسؤولية الخلقية إلى – الذكاء – أي بمعنى لا يتمّ التخلُّص من المسؤولية بالاعتماد على القانون الاخلاقي الكلّي بل أخلاق الذكاء يتمّ من خلالها تحديد المسؤولية، ويتطلب الموقف الخلقي أن يكون الحكم وعملية الاختيار سابقة للفعل ولغرض معرفة الفعل الصحيح الذي يستلزم الموقف الخلقي يجب البحث عن تفاصيل الموقف وتحليل العوامل المختلفة وتوضيح الجوانب الغامضة واستبعاد الصفات الشَّاذة وتتبّع نتائج الأفعال المقترحة، والبحث عن القرار الذي يوضع في صورة فرض تتم تجربته، فحسن الخلق يكون عند وجود الذكاء، ويعود سوء الخلق إلى ضعف فطرتنا وغياب التعاطف. الاخلاق ليست عبارة عن كتالوج أو قائمة بالأفعال والقواعد التي يمكن تطبيقها مثل وصفات الأدوية ووصفات الأطعمة في كتب الطبخ. فعلى طبيب الاخلاق ألا يقدِّم وصفات جاهزة بل تحتاج الاخلاق إلى مناهج البحث وإلى التدبر والابتكار، فيتم بمناهج البحث تحديد مواضع الصعوبات وأماكن الشر وتحاول عملية الابتكار تشكيل الخطط التي يتم استخدامها كفروض للاستفادة منها في تحليل الحالات الفردية الخاصة.
فلا توجد الفضائل الخلقية أو الغايات الا اذ كان هناك فعل يجب القيام به، فالشرّ يتعلّق بالموقف الماثل للفعل فيجب معالجة شر هذا الموقف بعيداً عن شر موقف آخر، كل الصفات التي يقال لها خيرة فهي نسبية بين الناس وكذلك الصفات السيئة فليس من الحق استخدام قواعد ثابتة ومحدّدة لغرض تطبيقها على كل الانسانية، فالصحة والثروة والعلم وتقدير الجمال والمبادأة والشجاعة والصبر والشجاعة والود من الغايات الخيّرة الا أنَّها لا تمثل هذه الغايات الا الحث على التفكير والتحليل، إذ تقترح هذه التصنيفات الصفات المحتملة التي تجب دراستها والبحث عنها في حالة جزئية معينة، فهي تعد أدوات للفكر وتتمثل قيمتها في تحديد استجابة فردية معينة لموقف أخلاقي فردي. فمسألة الشر أصبحت ليست دينية أو ميتافيزيقية أو لاهوتية، وباتت تدرك باعتبارها مشكلة عملية تسعى للتقليل من أعباء الحياة وإزالة شرورها. وقيمة التشاؤم التي تبثها بعض المذاهب هي التي تجعل العالم شرَّاً كلهُ، مما يجعل الانسان خائباً ولا يمكن ان يقدم على التفكير، كذلك مسألة التفاؤل تدخل ضمن هذا الجانب، أما السعادة فهي ليست مجموعة من المفاهيم والتصورات المتناقضة، كذلك لا تعد السعادة شيئاً يمتلكه الشخص واذا كانت السعادة مطلباً خاصاً تصبح نوعاً من أنواع الانانية التي يلعنها الاخلاقيون، أما وصفها بالنعيم فإنه يجعل الشعور بها مملاً وتافهاً ويولد في الانسان حب الراحة وكراهية العمل والكفاح، الا أن جون ديوي يرى في السعادة موجودة في النجاح الذي لا يتحقق إلا بالتقدم والتطور والتحرك للأمام، فديوي يقدم لنا مذهب التحسن وليس مذهب المنفعة المستبعد من قبله لوجود غاية مادية يسعى اليها للمنفعة، فالأخلاق التي قدمها هي أخلاق تربوية تطورية يسعى من خلالها إلى بناء فرد حر غير معتمد في أخلاقه على المجتمع .