جيمس تايْت.. الطيّار التائه من «قهقهة النسيان» إلى «أفعى الجاز السّامة»

محمد قنور

تكمن القوَّة الإبداعية للقصيدة في اختلافها عن البقية من معاصراتها وحتى عن سابقاتها، وذلك إلى جانب امتلائها بالصور الشعرية المكثَّفة والموجزة.. ولو أنها تشكّل هاجسا للقارئ وحتى الناقد وصعوبة في الإدراك عند قراءتها أول مرة، فإن جماليتها تتجلّى بسبب تمرّدها على القواعد المتعارف عليها. إنَّها تلك القصيدة المدهشة بأسلوب كتابة جديد، قد يبدو غريبا، فتدفعنا إلى قراءتها أكثر من مرّة وتفتح لنا أبواب البحث عن معناها بطرح أسئلة من قبيل: كيف؟ ولماذا؟ وماذا؟
وأنا أتصفّح كتاب أنطولوجيا الشعر الأميركي الإنجليزي، الذي جمع قصائده وراجعها الشاعر أوسكار ويليامز عام 1972، ليضم أكثر من 500 قصيدة لأكثر من مائة شاعر في القرن 20 بداية من والت وايتمان وإيميلي ديكنسون وإدغار ألن بو وروديارد كبلينغ وويليم باتلر ييتس وديلان توماس ووصولا إلى سلفيا بلاث ولويس سيمبسون وألن غينسبرغ ولويس زكوفسكي وغيرهم، لفتت انتباهي آخر قصيدة في الكتاب. بنظرة سريعة على عنوانها، قرأت إهداءً يقول: (إلى والدي 1922 – 1944)، وتساءلت هل كان عمر الوالد 22 عاما فقط؟ مما دفعني إلى قراءتها والتوغُّل أكثر في الأفكار المأساوية والساخرة التي ملأت سطورها بطريقة تبدو غريبة؛ فتطوف القصيدة بقارئها بين النثر والسرد بأسلوب مدهش. كان كاتبها الشاعر جيمس تايت الذي فقد والده فينسنت تايت – الذي قُتلَ في الحرب – وعمر الابن 5 أشهر فقط. بعدما صار تايت شابا، وبعد طفولة متقلّبة نتيجة فقدان أمه الشابة لحب حياتها وارتباطها بأكثر من رجل بغية الهروب من جحيم حياة الترمّل، كتب قصيدته هذه إحياء لذكرى والده الذي قُتِلَ في الحرب العالمية الثانية عام 1944، وضمها في مجموعة شعرية بنفس عنوان القصيدة «الطّيار التائه»، ونشر كتابه الأول عام 1967 وهو طالب جامعي يبلغُ من العمر 23 عاماً. وقال تايت إنَّه كتب قصيدته هذه وعمره 22 عاما، أي في نفس عمر والده الطيّار لما لقي حتفه.
ولد جيمس تايت عام 1943 في مدينة كانساس بولاية ميزوري. وحصل على البكالوريوس من كلية كانساس وشهادة الماجستير في الفنون الجميلة من جامعة آيوا. وفي إقامته الجامعية، بدأ قراءة الشعر وتجريب الكتابة، فصار مؤلفا لأكثر من 20 مجموعة شعرية على مدى خمسة عقود، إلى أن توفي في العام 2015. ومن أهم مجموعاته الشعرية نذكر: «الطّيار التائه» 1967 و «قهقهة النّسيان» 1970 و «غيابات» 1972 و «أفعى الجاز السّامة» 1976 و «حانات متصدّعة» 1979 و «حارس وفيّ» 1983 و «مُصفّي الحسابات» 1986 و «قصائد مختارة» 1991، والتي فاز عنها بجائزة البوليتزر وجائزة ويليم كارلوس ويليمز عام 1992. كما حصل كتاب «كتلة السهام المعظّمة» 1994 على جائزة الكتاب الوطني. وفي عام 1995، فاز بجائزة أكاديمية الشعراء الأميركيين (جائزة والاس ستيفنس). ومن أهم مجموعات تيْت الشعرية الأخرى «مذكرات صقر» 2001 و «عودة إلى مدينة الحمير البيض» 2004 و «الجندي الشّبح» 2008 و«قبة الخيمة المخفية» 2015.
يجمع شعر تايت بين الإيقاعات الغنائية والمجاز السريالي والسخرية لمواجهة مصادر اليأس المعاصر أو ما أسماهُ «ضيق في التعامل مع الحياة». وقد وُصفت قصائد تايت أيضا بأنَّها هجائية ومأساوية وكوميدية وعبثية وساخرة ومفعمة بالأمل تطارد مستقبلا مجهولا بطريقة سريالية. قال تايت عن قصائده في مقابلة صحفية مع الشاعر تشارلز سيميك في مجلة باريس للقراءة: «لا يوجد شيء أفضل من تحريك القارئ بعمق، أنا أحبّ قصائدي المضحكة، لكنني أفضل كسر قلب القارئ أيضاً، وإذا استطعت القيام بذلك في قصيدة واحدة، فهذا إنجازٌ، إذا ضحكت في مطلع القصيدة، واقتربت من البكاء عند نهايتها فهذا ما أريده.» بالنسبة لتايت فإنَّ كل ما يحدثُ في العالم قابلٌ للخضوع والسخرية بأسلوب سريالي مجنون، بما في ذلك الموت؛ «فتلك هي الطريقة المثلى لإدراك الحزن وتجاوزه،» كما يقول. وكما أشار الشاعر والناقد دانا جويا في مقال عام 1998، فإنَّ أعمال جيمس تايت «كشفت عن أحلامه وكوابيسه ومخاوفه ورغباته، لكنه لم يشارك قراءه أبداً بقية تفاصيل حياته الشخصية على مرّ عقود من الشعر، عكس ما فعل في كتابه الأول».
تم اختيار مجموعته «الطيّار التّائه» 1967 في سلسلة ييل للشعراء الشباب، وهي جائزة مرموقة في أميركا تمنح للشعراء في طبعتهم الأولى. وقد كرّس جيمس قصيدة «الطّيار التائه» لوالده؛ وهو طيار من طراز (B-17) كان قد قُتل في مهمة قصف خلال الحرب العالمية الثانية في منطقة ما بين بلجيكا وألمانيا، وحينها كان جيمس يبلغ من العمر خمسة أشهر فقط.
وهكذا، يكافئ الشاعر والده باعتباره تائها وليس مقتولاً، فبالنسبة للشاعر فإن الأب لا يزال يدور في السماء ولا يهبط أبدا؛ إذ راجت إشاعات تقول بأنَّه هرب من الحرب، وأخرى تقول إنَّه هبط بالمظلَّة وقُتلَ إلى أن عُرف وجوده في مقبرة عسكرية قرب مدينة لييج البلجيكية بعد سنوات. فيحاول الشاعر إقناع القارئ بأنَّ والده بطل حرب. إنَّ القصيدة شبيهة بأسطورة البطل التقليدي كما في مرثيات جون ميلتون ووالت وايتمان، وكما فعل ويليم باتلر ييتس في قصيدة «طيّار إيرلندي يتنبأُ بموته»، والتي كتبها عن طيار إيرلندي قُتل خلال الحرب العالمية الأولى عام 1918.
وقد كتب تايت قصيدته من وجهة نظر طفل يحاولُ تذكر والده الطيار الذي لم يسبق له أن رآه، فيبدأ برسم صورة له ولوجه مساعده، ثم ينعى اختفاء والده كطقس عزاء له محاولا الخروج من مأزق عدم اليقين والقلق الذي أصابه وهو طفل. وبما أنَّه يعدّه تائها، فإنَّه ليس ميّتا، مما يمثل تحديا مستمرا للعثور عليه، مثل تحدي تليماخوس للظروف من أجل إيجاد والده أوديسيوس في أوديسة هوميروس.
«الطيار المفقود»، قصيدة شعر حر وخطوطها الثمانية والأربعون مقسمة إلى ستة عشر مقطعا، وكل مقطع بثلاثة أسطر. يرافق العنوان إهداء لأب الشاعر للتأكيد على حقيقة أنَّ الأب لقي حتفه في سن مبكرة جدا (22 عاما). وقد تعمّد تايت الكتابة بأسلوب سردي ونثري وسريالي خاصّ ومدهش؛ فنجده يبدأ جملة بكلمة واحدة في آخر المقطع الشعري، ويتمِّمها في أول سطر من المقطع الشعري التالي.

الطيار التّائه

(إلى والدي 1922 – 1944)

شعر: جيمس تايت
ديوان «الطيار المفقود» © دار النشر بجامعة ييل، 1967
ترجمة: محمد قنور

لم يتعفّن وجهُكَ
مثل البقية – مساعد الطيار،
مثلاً، رأيتهُ

البارِحة، وجههُ كدقيق
الذُّرة وزوجتهُ وابنتهُ،
والنّاس البائسة الغرّيرة، تُحدّقُ

كأنّه سيحبّرُ نصّا عاجلاً.
لقد كان مُخطئاً أكثر من عملهِ.
ولكن وجهَكَ لم يتعفّن

مثل البقية – لقد صار مُعتماً
ويابساً مثل خشب الأبنوس؛
وارتقت الملامح إلى

كمالِها. لو استطعتُ التملّقَ
لكَ لِلعودةِ من أجل مساءٍ،
أسفلَ مداركَ

الإلزامي، كنتُ سأتحسّسكَ،
وأقرأُ وجهكَ مثل دالاس،
رامي الرشّاش السّفاح، الآن،

بعينين متقرّحتينِ، يَقرأُ
نسخهُ بلغة برايل. كنتُ
سأتحسّس وجهكَ كباحثٍ

فاترٍ يلمسُ صفحة أصليّة.
إنما بتهويلٍ، كنتُ
سأكتشفكَ، ولن

أخونكَ؛ لن أجعلكَ
تجابهُ زوجتكَ، أو دالاس،
أو مساعدَ الطيّار، دجيم. يمكنكَ

العودة إلى طيرانك
المخبول، ولن أحاولَ
فهم، كلّياً، ما

يعنيه لكَ. هذا كلُّ
ما أعرفُ: حالما أراكَ،
كأنّني رأيتُكَ لماماً

لمرّة واحدة كل عام في حَياتي،
تلفُّ عبر براري السّماء
مثل إلهٍ إفريقي صغيرٍ،

شعرتُ أني ميّتٌ. شعرتُ كأني
كنتُ بقيّة حياة غريب،
وعليَّ تعقُّبُكَ.

استدَّ رأسي صوبَ السّماء،
ولا أستطيعُ الابتِعاد عن الأرضِ،
وأنتَ تعبرُ من جديدٍ،

حثيثاً، وسالماً، وتأبى
إخباري أنّك على
ما يرام، أو أن ذلك كان خطأً

أودعكَ في ذلك العالم،
وأنا في هذا؛ أو أن سوء الحظّ
أودعَ بيننا هذه العوالم.